المدنيين، وغير ذلك من أساليب الكذب والغدر، التي يستعملها ويعلمها كل العالم وليس السكان المحليين فحسب. فلماذا كان الدابي، إذن، يحرص على الصفة الاستفزازية في كل تصريحاته!!! وهو يعلم علم اليقين أنها أبعد ما تكون عن أية حقيقة تذكر!!!؟
لا شك أن معاينة نماذج من التصريحات الرسمية العربية، وكذا التصريحات الغربية والسورية على السواء تكشف عن عمق التناقض والتضارب فيها!!! لاسيما تلك الصادرة منها عن رموز الجامعة العربية. ورغم أنها ترقى إلى مستوى الكذب الصريح، إنْ لم تكن الكذب بعينه، وعلى الطريقة السورية، إلا أنها، في المحتوى السياسي، تنبئ عن خداع كبير. إذ أن استهداف العامة بسياسة الإغراق الإعلامي ليس لها من هدف، في السياسة، إلا إفراز حالة من التعقيد المصحوب بكثير من الغموض والضبابية والتضليل الذي يؤدي في العادة إلى انصراف الاهتمام عن الحدث. وفتور التفاعل معه بفعل التشتيت الذهني. وهكذا يجري انتزاع الحدث من فاعليه الشعبيين وإحالته إلى النخبة الساعية إلى توجيهه صوب ملاعبها الدبلوماسية والسياسية. ومن الطريف أن الجامعة العربية والنظام السوري توافقا على اتباع هذه السياسة، مع اختلاف الأهداف لكل منهما، حتى أن كليهما بدا وكأنه ينطق بلغة الآخر!!!
هذه يعني أن الدابي الذي حاز أداؤه الميداني وتصريحاته الإعلامية، إلى حد ما، على القبول السوري فضلا عن قبول الجامعة العربية، رغم النفي المتكرر بين الحين والحين، كان شريكا سياسيا للجامعة أكثر مما كان كبش فداء برتبة مراقب لحقوق الإنسان. ولو كان الأمر غير ذلك لرأيناه مستقيلا أو معزولا من منصبه لكثرة ما ناله من النقد والهجوم حتى على شخصه وتاريخه، لكنه، مع ذلك، ظل على رأس عمله حتى بعد تجميد عمل البعثة ونقل المراقبين إلى العاصمة دمشق وإحالة الملف السوري إلى مجلس الأمن. كل هذا لا معنى له إلا أن يكون الدابي هو حقا عرّاب التدويل.
في المحصلة لم يكن الخطاب الدموي لبشار الأسد، بعد غياب طويل، مبرَّرا إلا في ضوء ما شعر به من خطر يحدق بنظامه إذا ما تم تدويل القضية. وتبعا لذلك يمكن القول أنه إذا كان هناك من خطط لاستغفال المراقبين فقد نجح بامتياز، وإذا كانت الجامعة قد تعمدت إيقاع النظام السوري بفخ الموافقة على بروتوكول البعثة دون المبادرة فقد أنجزت مهمتها، ولعل الرئيس السوري ندم فعلا على الدخول في «مقامرة سياسية» من هذا النوع، تماما كما توقعت «الديلي تلغراف - 1/ 1/2012» البريطانية، وإذا كان صبر قطر قد نفذ فلأن اقتراحاتها تسارعت على نحو مثير بدء من: (1) الاستعانة بالأمم المتحدة أو (2) إرسال قوات عربية إلى سوريا أو (3) بتحويل الثورة السورية إلى أحد ملفات مجلس الأمن، فلعلها حققت للـ «المركز» ما يصبو إليه. لكن السؤال: ما هو رأي «المركز» ؟ وما الذي يمكن أن يفعله مجلس الأمن للثورة السورية؟ وما هي تداعيات التدخل الدولي إذا كانت النتيجة ستزيد من وحشية القاتل؟