فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 207

كان العالم الإسلامي، قبل سنة 1913، يتمظهر في صيغة كتل جغرافية وسكانية ضخمة تعرف باسم «بلاد العرب» (الجزيرة) و «بلاد الشام» و «بلاد المغرب» و «بلاد الرافدين» و «أرض الكنانة» و «بلاد الهند» و «بلاد الترك» ... وقبل هذا التاريخ، أيضا، لم يكن ثمة نظام دولي يتمتع بالمركزية والرقابة والهيمنة كما هو اليوم، فالعلاقات الدولية والمعاهدات كانت ثنائية أو ثلاثية أو رباعية أو خماسية، وفي أحسن الأحوال ذات طابع إقليمي. لكن بعده صار العالم الإسلامي في بؤرة التمزيق الدولي بقيادة بريطانيا وفرنسا، وانتهى به الحال إلى هدم الخلافة الإسلامية وتثبيت النظام الدولي بمرابط قوية تحول دون ائتلافه ثانية. ومن هذه المرابط كانت ولمّا تزل «إسرائيل» و «الطائفة العلوية» في سوريا، والتي تتولى إيران «الصفوية» رعايتها اليوم ومساندتها واقعيا.

وبطبيعة الحال لا يمكن التسليم بالقول أن «بلاد الشام» هي سوريا اليوم أو «دمشق» كما أشاعت ثقافة نظم «سايكس - بيكو» بين العامة. إذ ما من مصدر تاريخي قبل الميلاد وبعده، أعجميا كان أو عربيا، فضلا عن المصادر الشرعية، يقبل بهذا التوصيف، لمنطقة عريقة تمتد حدودها إلى الجزيرة العربية شرقا والبحر الأبيض المتوسط غربا وجنوب تركيا بدءً من حدود أضنة شمالا وعريش مصر جنوبا.

إلى جانب التوصيفات السياسية والعسكرية والأمنية فإن التوصيف العقدي لبلاد الشام يبقى هو الأكثر حسما في فهم حالة الثورة السورية. وبموجبه تبدو الكتلة البشرية والجغرافية لـ «الشام» واقعة في بؤرة الثورة رغم ما تتميز به من سكون ظاهر. بمعنى أن ما ينطبق على «شام» الثورة سينطبق بالضرورة على «الشام العقدية» أو «الشام التاريخية» . فما هي مكانة «الشام» في التوصيف العقدي؟

وردت «الشام» في روايات عديدة في الأحاديث النبوية الشريفة. وبحسبها فهي البلاد التي استأثرت بـ «كفالة الله في الأرض» ، و «حماية الملائكة لها» ، وهي «الأرض المباركة» ، و «عَقْرُ دارِ الإسلامِ» ، و «أرض الإيمان» ، و «موطن الملحمة» ، و «خِيرَةُ اللَّهِ مِنْ أَرْضِهِ» ، و «أرض الفسطاط» ، و «في عنق أهلها صلاح الأمة وفسادها» . وتاليا بعض الأحاديث النبوية:

-قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «سَيَصِيرُ الْأَمْرُ إِلَى أَنْ تَكُونُوا جُنُودًا مُجَنَّدَةً جُنْدٌ بِالشَّامِ وَ جُنْدٌ بِالْيَمَنِ وَ جُنْدٌ بِالْعِرَاقِ قَالَ ابْنُ حَوَالَةَ خِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ فَقَالَ عَلَيْكَ بِالشَّامِ فَإِنَّهَا خِيرَةُ اللَّهِ مِنْ أَرْضِهِ يَجْتَبِي إِلَيْهَا خِيرَتَهُ مِنْ عِبَادِهِ فَأَمَّا إِنْ أَبَيْتُمْ فَعَلَيْكُمْ بِيَمَنِكُمْ وَاسْقُوا مِنْ غُدُرِكُمْ فَإِنَّ اللَّهَ تَوَكَّلَ لِي بِالشَّامِ وَ أَهْلِه» . قال ربيعة: فسمعت أبا إدريس يحدث بهذا الحديث يقول: ومن تكفل الله به فلا ضيعة عليه.

-وروى البخاري: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي يَمَنِنَا". وروى أبو داوود: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «إِنَّ فُسْطَاطَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ الْمَلْحَمَةِ بِالْغُوطَةِ إِلَى جَانِبِ مَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا دِمَشْقُ مِنْ خَيْرِ مَدَائِنِ الشَّامِ» ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت