[السُّؤَالُ] ـ[سؤال لا أعرف هل هو حرام أم لا؟ ولكني أحتاج إلى إجابة حتى لو كان لا يصح السؤال ولكن أرجو في حالة وجود إجابة أن تكون مشفعة بالقرآن الكريم والسؤال هو:
لقد خلَقَنا الله فمن خلق الله؟] ـ
[الفَتْوَى] الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:
فقد أخبرنا الله في كتابه عن عداء الشيطان لعباد الرحمن فقال: (يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور*إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) [فاطر:5،6] وبين الله أن الشيطان يسعى لإغواء بني آدم بكل الوسائل والسبل، قال تعالى عن الشيطان: (قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم*ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين) [الأعراف:16،17] وذكر الله أن الشيطان بعد أن يوقع الناس في شباكه، وبعد أن يوقعهم في الكفر، يعلن براءته منهم ومن كفرهم، قال تعالى: (كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين) [الحشر:16] وقال تعالى: (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [ابراهيم:22]
وبهذا الدافع -أعني دافع العداوة- يحرص الشيطان على أن يوقع الإنسان في الكفر بقذف الشبهات الباطلة في قلبه، والشكوك التي تورثه الحيرة والتردد، ومن ذلك هذه الشبه الساقطة، وللرد عليها نقول:
أولا: يُسلِّم جميع العقلاء أن العدم لا يخلق شيئًا، ومن قال بخلاف ذلك فقد أخرج نفسه من نطاق العقلاء، وقد ناظر عالم من علماء المسلمين بعض الملاحدة الذين ينكرون وجود الرب سبحانه، ويقولون إن المخلوقات وجدت صدفة، وتواعد العالم معهم في مكان لا يصل إليه إلا بعبور نهر، فحان موعد المناظرة وتأخر العالم عن الحضور، فقالوا: إنه لم يتأخر إلا لعجزه عن المناظرة وإقامة الحجة، ثم جاء العالم متأخرًا وقال لهم: لعلكم تعجبون لماذا تأخرت؟! قالوا: نعم، قال: أردت المجيء إليكم فلما وصلت إلى شاطئ النهر لم أجد قاربًا يحملني إليكم، فانتظرت، وإذا بي أرى بعض الأشجار تطير من مكانها، وترتص وتجتمع على شاطئ النهر، وإذا بحبل يطير فيلتف حول تلك الأشجار، فتكوَّن من ذلك كله قارب، فركبته وجئتكم، وكان هذا هو سبب تأخري، قالوا: هذا لا يعقل، ولا يمكن أن يحدث، فقال لهم: لا تقرون بسفينة توجد صدفة، وتقولون إن السموات والأرض وما فيهن من الإتقان والإحكام وجد صدفة، فبهتوا وسكتوا.
وإذا سلمنا كما يسلم العقلاء أن لكل مخلوق خالقًا، ولكل مصنوع صانعًا، فمن هو خالق هذا الوجود؟ ومن هو خالق هذا الخلق البديع؟ من أرض وسماء وجبال وأشجار وأنهار، هل يمكن أن يكون الخالق طبيعة صماء بكماء؟! وهنا تأتي القاعدة التالية وهي:
ثانيًا: (فاقد الشيء لا يعطيه) فهذه الطبيعة لا تسمع، فكيف تعطي السمع؟! ولا تبصر فيكف تعطي البصر؟! ولا تقدر فكيف تعطي القدرة؟! إلى آخر ما هنالك.
فلا بد أن يكون خالق هذا الوجود سميعًا بصيرًا عليمًا حكيمًا قديرًا، يتصف بصفات الكمال، ويتنزه عن صفات النقص والإخلال.
وإن من صفات المخلوقين (النقص والاحتياج) فكل مخلوق محتاج في وجوده إلى غيره، لأنه لا يمكن أن يوجد مخلوق خالقه العدم، لأن العدم لا يخلق شيئًا، ولا يمكن للمخلوق أن يخلق نفسه لأنه قبل خلق نفسه كان عدمًا، والعدم لا يخلق شيئًا، قال تعالى: (أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون) [الطور:35]
والخالق هو الغني فلا يحتاج في وجوده إلى غيره فهو الأول بلا ابتداء، (الذي ليس قبله شيء) وهو الآخر بلا انتهاء (الذي ليس بعده شيء) وعليه فالسؤال، أعني سؤال: (من خلق الله؟) من حيث هو لا يصح لأنه جمع بين نقيضين، بين كونه سبحانه خالقًا غنيًا، غير محتاج في وجوده لأحد، وأنه خالق الحياة وأسبابها، والموت وأسبابه، وهو عامل في الأسباب، والأسباب لا تعمل فيه.
وبين كونه فقيرًا محتاجًا في وجوده إلى غيره، وهذا تناقض لا يسلم به عاقل.
وسبب وجود هذه الشبهة التصور الفاسد، وتشبيه الخالق بالمخلوق، وقد أبطل الله ذلك بقوله سبحانه: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) [الشورى:11] وقوله تعالى: (قل هو الله أحد* الله الصمد* لم يلد ولم يولد* ولم يكن له كفؤ أحد)
وننبه الأخ السائل وأنفسنا والمسلمين إلى أهمية الاستعاذة بالله من الشيطان ووساوسه وكيده، وأن يلجأ المرء إلى الله بالدعاء أن يرزقه الله يقينًا يعصمه من الشبهات، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو بقوله: (اللهم أعطني إيمانًا ويقينًا ليس بعده كفر، ورحمة أنال بها شرف كرامتك في الدنيا والآخرة) رواه الترمذي عن عبد الله بن عباس.
وراجع الجواب:
والله أعلم.
[تَارِيخُ الْفَتْوَى] 12 ذو القعدة 1422