وفي سورة الجاثية كذلك يوجبون على الله أمورًا بأهوائهم، فيقترحون أن يجعل الصالح والطالح في الأجر سواء. فهم قد جعلوا إلههم وفقًا لهواهم.
وبهذا يتبين إحكام الآيتين وأن هذا المشبه أتي من بتر النص وقصر الفهم.
ثم على قول من يفسرها: (جعل الهوى إلهًا) نقول هنا تقديم وتأخير، وهو جائز لغة ولا إشكال. بقي ما الحكمة منه؟ نقول: الحكمة تعظيم الإلهية فقدمت، وأخر الهوى تحقيرًا له. ثم يمكن أن يقال: قدم الإله وحقه التأخير بقصد الحصر، أي أن المشرك لم يعبد شيئًا سوى هواه، لا صنمًا ولا غيره، لأن الصنم وغيره من المعبودات إنما هي من إملاء الهوى.
وهذه المعاني لا تستفاد إلا بالسياق القرآني، فتبارك الله رب العالمين.
الرابع في قوله تعالى: (وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق) . قال: الضحك هنا حقه التأخير.
الرد أن استشكاله بسبب أن الضحك هنا بمعنى الحيض، والحيض كان بعد البشرى.
وهذا أضعف ما ذكره من شبه. لأن الصحيح في الضحك هنا هو المعنى المتبادر. فسارة زوج إبراهيم عليهما الصلاة والسلام لما رأت الملائكة تخاطب زوجها ضحكت عجبًا من ذلك وسرورًا بهذه الكرامة. فلما رأوها تضحك عجبًا وسرورًا، زادوها فبشروها بأنها ستلد وأن المولود اسمه اسحاق وأنه يولد له يعقوب، فازدادت عجبًا بأن تلد وهي عجوز وأن تعلم بأمر غيبي هو اسمه وأنه يكون له ولد، كما ازدادت سرورًا إذ أتاها الولد بعد كبر. وعليه فلا إشكال هنا أبدًا، لكن كما قيل: (كم عائب قولًا وآفته في الفهم السقيم) .
ثم لو كان الضحك هنا بمعنى الحيض، فلا إشكال. إذ يكون المعنى أنها حاضت، فلما حصل منها ذلك وهي في سن طاعن خافت أن يكون هذا الدم ضررًا، فضمأنتها الملائكة بأن بشروها بأن هذا الدم حيض وأنها تلد. فيكون الكلام على طبيعته لا تقديم فيه ولا تأخير. ولله الحمد.
فإن أصر إلا أن في الكلام تقديم وتأخير، نقول: ليكن! فهو جائز لغة ولا إشكال. الحكمة منه - والله أعلم - أن الله تعالى عجل ذكر ضحكها على ذكر بشارة الملائكة لما فيه من إعجاز، والحمد لله.
الخامس في قوله تعالى: (ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزامًا وأجل مسمى) . قال: والصحيح: لولا كلمة وأجل مسمى لكان لزامًا.
الرد أن هذا جهل، لأنه استشكل أن يكون كلمة الله السابقة والأجل سببًا للزام، فكيف يقدم بعض السبب ويؤخر بعضه؟
إذ ليس هذا معنى الآية، فالله تعالى قال قبلها: (أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات لأولى النهى) فصار الكلام أن الأمم الأولى أهلكت في الدنيا، بينما أخر الله تعالى العذاب عن كفار قريش إلى الآخرة، فبين لهم سبب تأخير العذاب عنهم، فقال تعالى: لولا كلمة سبقت من ربك [أن يؤخر عذابهم إلى يوم القيامة] لكان [العذاب] لزامًا [أي معجلًا في الدنيا] وأجل مسمى [أي ولكان الأجل المسمى لإهلاكهم لازمًا كذلك في الدنيا] .
فتحصل أن (أجل) معطوف على اسم كان الضمير المستتر العائد على العذاب.
بقي أن يسأل: ما الحكمة من الفصل بين (كان) والمعطوف على اسمها (أجل) بالخبر (لزامًا) ؟ يظهر - والله أعلم - أن الحكمة من ذلك التأكيد، وإمكان العطف مع حذف الاسم، والله أعلم.
ثم على قول من قال أن المعنى: (لولا كلمة سبقت وأجل مسمى لكان لزامًا) فهذا تقديم وتأخير وهو جائز ولا إشكال. بقي ما الحكمة منه؟ الحكمة منه - والله أعلم بمراده - أن يجعل كلمة الله هي السبب الأساس في تأخير العذاب، إذ الأجل تابع للكلمة، فحسن أن يؤخر لئلا يتوهم امرؤ أن شيئًا يجب على الله تعالى أو يغلبه.
السادس: في قوله تعالى: (فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا) . قال: الصحيح: (لا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة) .
الرد أنه استشكل كيف يفصل بين الفعل (تعجبك) ومعموله (في الحياة الدنيا) فاصل طويل (إنما يريد الله ليعذبهم بها) ؟
وهذا ناشء من سوء فهم للآية. إذ المعنى الصحيح: فلا تعجبك يا محمد أموال الكفار ولا أولادهم، فلم يعطهم الله إياها إكرامًا لهم، بل ذلك استدراج لهم، فالله تعالى يعذبهم بها في تحمل المشاق في تحصيلها وتجرع المصائب في الحفاظ عليها، ولا يزالون كذلك تلهيهم وتصدهم حتى يفجعهم الموت وهم على كفرهم.
(يُتْبَعُ)