قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويجب بأحد ثلاثة أشياء: كمال شعبان، ورؤية هلال رمضان، ووجود غيم أو قتر ليلة الثلاثين يحول دونه] .
هذه الأشياء الثلاثة يحب صوم رمضان بواحد منها، الأمر الأول: إكمال شعبان ثلاثين يومًا، فإذا كمل شعبان ثلاثين يومًا فيجب الصوم ولو لم ير هلال رمضان.
الأمر الثاني: إذا رؤي هلال رمضان يجب الصوم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرأيته) .
الأمر الثالث: إذا حال دون رؤية الهلال، ليلة الثلاثين من شعبان غيم، فإن الناس يصبحون صيامًا فإذا كانت ليلة الثلاثين من شعبان صحوًا ولم ير الهلال فلا يصام، وإن كان غيمًا أو قترًا فإنه يصام؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فاقدروا له) ، ومعنى (فاقدروا له) أي: ضيقوا الشهر فاجعلوه تسعًا وعشرين؛ كما قال تعالى: {وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ} [الطلاق:7] ، أي: ضيق عليه رزقه، كان ابن عمر رضي الله عنهما يأمر من ينظر إلى الهلال ليلة الثلاثين من شعبان فإن كان صحوًا ولم ير أصبح مفطرًا، وإن حال دونه غيم أو قتر أصبح صائمًا، فهذا هو المذهب.
القول الثاني: وهو رواية عن الإمام أحمد، أنه لا يصام ليلة الثلاثين من شعبان إذا حال دونه غيم أو قتر، وهذا هو الصواب، وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) وفي اللفظ الآخر: (فاقدروا له) يعني: احسبوا له، ويؤيده الرواية الأخرى: (فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا) ، والروايات يفسر بعضها بعضًا، وهذا هو الصواب والذي عليه العمل.
وروي عن الإمام أحمد رواية ثالثة، وهي: أنه إن صام الإمام صام الناس، وإن لم يصم الإمام لم يصم الناس، فالناس تبع لإمامهم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الصوم يوم تصومون، والأضحى يوم تضحون) .
والصواب القول الثاني، أنه لا يصام إلا بأحد أمرين: إما إكمال شعبان ثلاثين يومًا أو رؤية هلال رمضان، وأما إذا لم ير وحال دونه غيم أو قتر، فالقول أنه لا يصام، وهذه مسألة اشتد النزاع فيها، وهي مسألة طويلة أطال فيها أئمة الدعوة، وقرأنا في الدرر السنية صفحات طويلة وكثيرة ألف فيها رسالة مستقلة، وهي من المسائل التي اشتد النزاع فيها، وأما اختيار المؤلف رحمه الله ثلاثة أشياء فهو قول مرجوح، والصواب أنه لا يصام إذا حال دون رؤية الهلال غيم أو قتر، وأما قوله: (فاقدروا له) يعني: فاحسبوا له، ويفسره الحديث الآخر: (فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين) والنصوص يفسر بعضها بعضًا.