الحمد لله رب العالمين، شرع لنا دينًا قويمًا، وهدانا صراطًا مستقيمًا، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد.
لا زلنا مع كتاب الصيام باب صيام التطوع من كتاب العدة شرح العمدة للإمام موفق الدين بن قدامة المقدسي الحنبلي رحمه الله تعالى، ومع باب صيام التطوع.
والعلماء يسمون هذا تعريف بالإضافة صيام التطوع.
يقول المصنف رحمه الله: [أفضل الصيام] أي: أفضل صيام التطوع [صيام داود عليه السلام: كان يصوم يومًا ويفطر يومًا] والحديث في ذلك ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومعلوم أن الله سبحانه وتعالى يحب أن يتقرب إليه العبد بالواجبات والفروض، ثم إن شاء زاد وتطوع (وما تقرب إليّ عبدي بأحب إليّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به) والمعنى: فبي يسمع، أي: أن الله سبحانه وتعالى يُسخّر هذه الجوارح في طاعته، قال تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} [الأنفال:24] ، وقال أيضًا: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} [يوسف:24] فإذا أحب الله العبد سخّر الجوارح لطاعته، ولذلك قال: أفضل الصيام صيام داود عليه السلام، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا.
قال رحمه الله:[لأن في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(صم يومًا وأفطر يومًا فذلك صيام داود وهو أفضل الصيام.
فقلت: إني أطيق أفضل من ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا أفضل من ذلك)] كان عبد الله بن عمرو بن العاص من أزهد الصحابة في العبادات، فقد كان يقوم الليل كله ويصوم الدهر كله، حتى قال: أنكحني أبي امرأة ذات حسب، ويبدو أنه لم يكن راغبًا في الزواج، فلما أدخلوها عليه وهو في عبادته ظل أيامًا متوالية لم يقترب من زوجته لأنه كان منشغلًا بعبادته، فلما جاء أبوه يسأل عن حاله بعد أيام، وهو يريد أن يطمئن هل ترك القيام في الليل وتفرّغ في بعض الوقت لزوجته؟ قالت له: نعم الرجل من رجل، لكننا منذ أن وطئنا بيته لم يفتّش لنا كنفًا ولم يقرب لنا فراشًا، فهي لا تزال بكر كما هي، وهذا ما يدل على انشغاله بالعبادة رحمه الله تعالى ورضي الله عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأفضل الصيام صيام نبي الله داود، والبعض يتباهى ويقول: أنا أصوم بفضل الله شهورًا متصلة رجب وشعبان ورمضان، فهذا لا يجوز لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما صام شهرًا كاملًا إلا رمضان، أما ما يرد في بعض الأحاديث: (أنه كان يصوم شعبان كله) فالمعنى غالبه، أي: غالب شعبان، (ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم الشك) ، وقال: (لا تقدموا رمضان بصيام يوم) وقالت عائشة: (كان يصوم في شعبان حتى نقول: إنه لا يفطر، وكان يفطر حتى نقول: إنه لا يصوم) وهذا لا يتأتى إلا بصيام يوم وإفطار يوم، فأفضل الصيام صيام داود عليه السلام، فلما تقدم العمر بـ عبد الله بن عمرو بن العاص وعجز عن ذلك قال: ليتني قبلت رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأفضل صيام التطوع أن تصوم يومًا وأن تفطر يومًا، لتجمع بين حالتي الشكر والصبر، ففي الصوم صابر، وفي الفطر شاكر، فيدور الحال بين الشكر والصبر.