قال المصنف رحمه الله: [باب الاعتكاف: وهو لزوم المسجد لطاعة الله تعالى فيه، لأن الاعتكاف في اللغة: لزوم الشيء، وحبس النفس عليه برًا كان أو غيره، قال تعالى: {مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} [الأنبياء:52] ].
يعني: إن لزمت شيئًا برًا كان أو معصية يسمى اعتكافًا، ولذلك لما سأل إبراهيم قومه: {مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} [الأنبياء:52] ، {قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} [الشعراء:74] ، ولذلك فإن الله تبارك وتعالى أخبرنا أن إبراهيم عليه السلام حينما سألهم ما تعبدون: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ} [الشعراء:70] ، {قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ} [الشعراء:71] .
والإمام السيوطي ضرب به مثلًا للجواب حينما يكون أطول من السؤال؛ وهذه هي الإجابة المطلوبة، لكنهم أرادوا أن يغيضوا إبراهيم، فلهذا كان الجواب أطول من السؤال.
وكقول الله عز وجل لموسى عليه السلام: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى} [طه:17] ،
والجوابهي عصاي، لكنه زاد عن ذلك فقال: {أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى} [طه:18] ، فهذه الإجابة أطول من السؤال.
وأحيانًا يكون الجواب أقصر من السؤال، كقول الذين كفروا للنبي صلى الله عليه وسلم: {ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ} [يونس:15] ، ومضمون السؤال أن يأتي بقرآن غيره أو أن يبدله، فكان
الجواب { قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي} [يونس:15] ، فأجاب عن التبديل فقط، فكان الجواب أقصر من السؤال؛ لأنه إن كان عاجزًا عن التبديل فمن باب أولى أن يكون عاجزًا عن أن يأتي بغيره.
وأحيانًا يختلف الجواب عن السؤال، كقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ} [البقرة:189] ، أي: فسؤالهم عن شكله، فقال الله له: {قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة:189] ، فالجواب جاء بخلاف السؤال، أي: أنه كان من الأولى أن تسألوا عن علته لا عن شكله، فأحيانًا يكون الجواب يختلف عن السؤال لإرشاد نظر السائل لما ينبغي أن يسأل عنه، السؤال في جهة والجواب في جهة، والأولى أن تسأل عن كذا.
الاعتكاف لغة: لزوم الشيء وحبس النفس عليه برًا كان أو غيره، لزوم الشيء وحبس النفس عليه يسمى اعتكافًا، هذا التعريف اللغوي، والكلمة قد يكون لها تعريف لغوي وتعريف شرعي يعني: اصطلاحًا، وتعريف بالضد، وتعريف بالثمرة، وتعريف بمثال، هذه أنواع التعاريف، يمكن أن تعرف نقول مثلًا: ما هو الواجب عند علماء أصول الفقه؟ نقول: الواجب ما يثاب فاعله وتاركه متوعد بالعقاب، فهذا تعريف بالثمرة، وقد يكون التعريف بالضد، وقد يكون التعريف بمثال، فالتعريف اللغوي أولًا ثم التعريف الشرعي.
قال: [وهو في الشرع -أي: التعريف الشرعي للاعتكاف- الإقامة في المسجد على صفة نذكرها] الاعتكاف لغة: ملازمة المسجد على صفة مخصوصة.
قال: [وهو سنة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله وداوم عليه، واعتكف معه أزواجه، وهذا معنى السنة] .
ومعنى السنة أنه مستحب، ومن الأحكام التكليفية الاستحباب والإباحة والتحريم والكراهية والوجوب، وكل حكم شرعي يدور بين هذه الأحكام.
فحكم الصلاة واجب، وحكم الزنا حرام، وكل مسألة شرعية تأخذ حكمًا من الأحكام، وقد تأخذ الأحكام الخمسة كالزواج، فقد يكون واجبًا، أو مستحبًا، أو مكروهًا، أو محرمًا، أو مباحًا، وكل حال له وضع.
وهناك فرق بين المحرم والمكروه، فالمحرم ما نهى عنه الشارع نهيًا جازمًا، والمكروه ما نهى عنه الشارع نهيًا غير جازم، أو نهى عنه وأتى صارف صرفه إلى الكراهة، كقوله صلى الله عليه وسلم: (لا آكل وأنا متكئ) فالأكل متكئًا مكروه؛ لأن قوله: لا آكل وأنا متكئ تفيد الحرمة إلا أن هناك فعلًا صرفه إلى الكراهة، وأحيانًا يستخدم الفقهاء كالإمام الشافعي لفظ المكروه ويقصد به الحرام، فقوله: أكرهه يعني: أحرمه، فمعرفة المصطلحات مهمة، واستدل على ذلك بقول الله في سورة الإسراء: {كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا} [الإسراء:38] ، يعني: الزنا، سماه مكروهًا، فعبر عن الحرام بالمكروه، فانتبه لمثل هذه الفائدة فهي فائدة أصولية ذكرها العلامة ابن القيم في كتابه القيم: إعلام الموقعين عن رب العالمين، الذي لا يمكن أن يستغني عنه طالب علم أصولي أبدًا بحال.