الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد: لا زلنا مع كتاب الحج والعمرة من كتاب العدة شرح العمدة للإمام موفق الدين بن قدامة المقدسي الحنبلي رحمه الله تعالى.
قال: [والتمتع: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج] .
الحاج المتمتع يحرم بالعمرة في أشهر الحج، وأشهر الحج هي: شوال، وذو القعدة، والعشر الأوائل من ذي الحجة، هذه هي أشهر الحج.
وربنا يقول: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة:197] ، فمن أدى العمرة في هذه الأشهر: في شوال أو ذي القعدة أو العشر الأوائل من ذي الحجة ثم بقي في مكة وأحرم بالحج يسمى: متمتعًا.
وهنا
السؤالرجل من مصر أدى العمرة في شهر رمضان وبقي في مكة إلى أن جاء الحج فأحرم بالحج، هل يعتبر متمتعًا؟
الجوابلا؛ لأنه أدى العمرة في رمضان وليس في أشهر الحج، فالمتمتع هو من يؤدي العمرة في أشهر الحج.
وهنا سؤال آخر: رجل أدى العمرة في شوال وهو من جدة ثم عاد إلى جدة وأحرم بالحج في ذي الحجة، فهل هو متمتع أم مفرد؟
الجوابفي هذا خلاف بين العلماء، فهو من جدة وأدى العمرة في شوال، وشوال من أشهر الحج، لكنه عاد إلى بلده ثم أتى من بلده محرمًا بحج، فلا يعد متمتعًا؛ لأنه يشترط في المتمتع أن يبقى في مكة.
أيضًا سؤال آخر: رجل من مصر أدى العمرة في شهر ذي القعدة ورجع إلى مصر ثم عاد إلى مكة لأداء مناسك الحج، هل هو متمتع؟ لا يسمى متمتعًا؛ لأنه عاد إلى وطنه.
إذًا: المتمتع هو من يؤدي العمرة في الحج ويبقى في مكة، فإن أدى العمرة في أشهر الحج وبقي في مكة إلى أن جاء الحج ولبى بالحج يسمى متمتعًا، وإن عاد إلى بلده ثم لبى بحج بعد أن أتى موسم الحج أو في ذي الحجة فنقول: هو مفرد وليس بمتمتع.
ولو أن رجلًا أدى العمرة في رمضان وبقي في مكة إلى أن جاء الحج، فلبى بحج في يوم الثامن من ذي الحجة فيسمى مفردًا؛ لأنه أدى العمرة في أشهر ليست هي أشهر الحج.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [والتمتع أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ويفرغ منها، ثم يحرم بالحج في عامه، والإفراد: أن يحرم بالحج وحده، والقران: أن يحرم بهما معًا، أو يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الحج] .
نسك الحج: تمتع، وإفراد، وقران.
والنبي عليه الصلاة والسلام حج قارنًا بلا خلاف، وتمنى أنه لو حج متمتعًا فقال: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة) ، وهذا معناه: أنه يجوز لمن لبى بحج أن يدخل على الحج العمرة، وليس العكس عند الإمام أحمد، فعنده لا يجوز إدخال العمرة على الحج، وإنما يجوز إدخال الحج على العمرة؛ لأن الصحابة الذين حجوا مع النبي عليه الصلاة والسلام حجوا قارنين فلما أدوا العمرة أمرهم أن يتحللوا ويدخلوا الحج على العمرة.
وهم في الميقات ما لبوا متمتعين وإنما لبوا قارنين، فأمرهم بالتحلل وأن يجعلوها عمرة، وأن يدخلوا عليها الحج.
قال الشارح: [ويستحب أن ينطق بما أحرم به ليزول الالتباس، وتتأكد النية كما قلنا، ويشترط لما سبق من حديث عائشة وابن عباس] .
يعني: هنا المذهب يرى جواز النطق بالنية، فيقول: لبيك عمرة، أو لبيك حجًا، أو لبيك حجًا وعمرة، هذا نطق بالنية عند الإحرام ليبين النسك الذي أراد، وبعض العلماء يرون أن التلفظ بالنية حتى في الحج لا يجوز؛ لأن النية من أعمال القلب ولا تنصرف إلى الجوارح، والتلفظ بالنية يخالف المنقول ويخالف المعقول، يعني: هل رأيتم رجلًا حينما يخرج من بيته يتلفظ بما يريد أن يفعل فحينما يذهب إلى عمله يقول: باسم الله نويت الذهاب إلى العمل، أو إذا وضعت المائدة بين يديه يقول: باسم الله، نويت طعام الغداء؟ لا يمكن ذلك.
وكل الأعمال تحتاج إلى نية، والنية من أعمال القلب التي ينعقد عليها القلب فلا يصح لإنسان أن يتلفظ بالنية قبل عمله.
فالنسك ثلاثة: تمتع، وإفراد، وقران، وإذا أردت أن أحج متمتعًا فألبي بعمرة في الميقات: لبيك عمرة، ثم أؤدي العمرة، وأنتظر إلى يوم الثامن من ذي الحجة فألبي بحج، فأؤدي العمرة منفردة والحج منفردًا، وهذا جاء في القرآن: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة:196] .
إذًا: المتمتع يؤدي العمرة منفردة ثم يتحلل ويبقى على تحلله، ويجوز له كل شيء إلى أن يأتي الثامن من ذي الحجة فيلبي بحج.
أما المفرد فيقول في الميقات: لبيك حجًا، فلا يلبي إلا بالحج ويأتي بمناسك الحج في موسم الحج، هذا حج مفرد.
أما القارن ففي الميقات يقول: لبيك حجًا وعمرة، ويؤدي طواف القدوم، ثم السعي إن أراد ويبقى على إحرامه ولا يتحلل أبدًا إلى أن يرمي جمرة العقبة في يوم العيد، يعني: القارن يظل لابسًا لإحرامه طول النسك ولا يتحلل أبدًا؛ لأنه قرن بين حج وعمرة.
وكل من المتمتع والقارن عليهما هدي، وأما المفرد: فليس عليه هدي.
قال المصنف رحمه الله: [ولو أحرم بالحج ثم أدخل عليه العمرة لم ينعقد