ولما [1] ولي هشام بن عبد الملك الخلافة، وكان محمد بن هشام خاله، كما تقدّم ذكره، ولّاه مكة، وكتب إليه أن يحجّ بالناس. فهجاه العرجيّ بأشعار كثيرة.
منها قوله [2] : (تام الوافر)
كأنّ العام ليس بعام حجّ ... تغيّرت المواسم والشّكول
إلى جيداء قد بعثوا رسولا ... ليحزنها فلا صحب الرسول
ومنها قوله [3] : (الطويل)
ألا قل لمن أمسى بمكّة قاطنا ... ومن جاء من عمق ونقب المشلّل
دعوا الحجّ لا تستهلكوا نفقاتكم ... فما حجّ هذا العام بالمتقبّل
وكيف يزكّى حجّ من لم يكن له ... إمام لدى تجميره غير دلدل [4]
يظلّ يرائي بالصّيام نهاره ... ويلبس في الظّلماء سمطي قرنفل [5]
فلمّا [6] بلغ هجاؤه محمد بن هشام، جعل يطلب عليه العلل حتى وجدها، فحبسه وضربه وأقامه للناس حتى مات في سجنه، وأقسم أن لا يخرج من الحبس ما دام له سلطان فمكث في الحبس نحوا من تسع سنين حتى مات فيه. واختلف في السبب الذي من أجله وجد محمد بن هشام السبيل إليه، فقيل: إنّ العرجيّ لاحى مولى لأبيه فأمضّه [7] العرجيّ، فأجابه المولى بمثل ما قاله له فأمهله حتى إذا كان
(1) ج د: فلما. والخبر في الأغاني 1/ 405
(2) البيتان في ديوانه 190والأغاني 1/ 406.
(3) الأبيات في هجاء محمد بن هشام، وهي في ديوانه 189والأغاني 1/ 406.
العمق: واد من أودية الطائف. والنقب: الطريق الضيق في الجبل. والمشلّل جبل يهبط منه إلى قديد. (اللسان: شلل، عمق، نقب) .
(4) الديوان والأغاني: تجميره، وهو أصح. أب ج د هـ وش: تحميده.
والتجمير: رمي الجمار في الحج. الدّلدل: ضرب من القنافذ له شوك طويل أكثر ما يظهر بالليل (اللسان: جمر، دلل) .
وقد كان محمد بن هشام ينبز بالدّلدل لخروجه ليلا طلبا للمجون والفساد فكأنه اتّخذ الدّلدل إماما يقتدي به كما وصفه العرجي في البيتن الأخيرين، وقد نعته الوليد بن يزيد بهذا اللقب فقال:
قد جعل الله بعد غلبتكم ... لنا عليكم يا دلدل الغلبه
الأغاني 1/ 416.
(5) السّمط: الخيط الواحد المنظوم (اللسان: سمط) يريد أنه يلبس خيطا فيه أزهار القرنفل.
(6) من الأغاني 1/ 411409بتصرف إلى قوله «وأقامهما في الشمس» .
(7) أمضّه الهمّ والحزن والقول: أحرقه وشقّ عليه. (اللسان: مضض) .