اعلم، أعزّك [1] الله، أن الأدب ينقسم إلى قسمين: غريزي ومكتسب. فأما الأدب [2] الغريزي فهو ما يخلقه الله سبحانه في جبلة العبد من الميل إلى اكتساب الفضائل، واجتناب الرذائل، والتحلي بمكارم الأخلاق ومحاسن الشّيم، والتخلي عما يضاد ذلك، من غير رياضة سبقت ولا تعلّم تقدّم. كما نشاهد من أحوال بعض الصبيان من نشأتهم على السّمت الحسن، والخلق السّبط، والهدى المستحسن، إلهاما من الله وتوفيقا منه لهم. وهذا النوع من الأدب هو الذي يعبّر عنه بعضهم بالفقه النفسي. وهو مستمد من العقل الذي هو عنصر المعارف وينبوع العلم والحكمة، متولد منه وناشئ عنه. فمن ثمّ كان العقل من أجلّ ما أنعم الله سبحانه به على عباده، إذ هو الوسيلة إلى معرفة الله تعالى التي هي أساس كلّ خير من خيري الدنيا والآخرة. فبحسبه يعملون، وعلى قدر أعمالهم يجزون كما جاء مصرّحا به في الحديث عنه صلّى الله عليه وسلم [3] فيروى عن عائشة أم المومنين رضي الله عنها أنها قالت: قلت: يا رسول الله بم يتفاضل الناس في الدنيا؟ فقال: بالعقل، قلت: وفي الآخرة؟ قال: بالعقل. قلت: أليس إنما يجزون بأعمالهم؟ فقال: وهل عملوا إلا بقدر ما أعطاهم الله من العقل، فبقدر ما أعطوا منه، كانت أعمالهم، وبقدر ما عملوا به يجزون».
(1) د: وفقك.
(2) ج د: فأما ماهية.
(3) نص الحديث في إحياء العلوم 1/ 75. وجاء في صفوة الصفوة 3/ 258257قول قريب منه نسب إلى معاوية بن قرة بن إياس، أحد التابعين الكبار وهو: «إن القوم ليحجون ويعتمرون ويجاهدون ويصلون، ويصومون وما يعطون يوم القيامة إلا على قدر عقولهم» .
ويرى كثير من العلماء بالحديث أن أحاديث العقل لا تثبت. أنظر اللآلي المصنوعة 1/ 128/ 131وتذكرة الموضوعات 29والمصنوع 256وسلسلة الأحاديث 13.