فهرس الكتاب

الصفحة 269 من 974

مات سنة أربع عشرة ومائة)، يرحمنا الله إياه.

وحكى المبرد عن بعض أصحابه، قال [1] : شهدت رجلا في طريق مكّة معتكفا على قبر، وهو يردّد بيتا ودموعه تكف [2] من لحيته، فدنوت منه لأسمع ما يقول، فجعلت العبرة تحول بينه وبين الإبانة، فقلت له: يا هذا! فرفع رأسه إليّ، كأنّما هبّ من رقدة، فقال: ما تشاء؟ فقلت له: أعلى أبيك تبكي؟ قال: لا، قلت:

فعلى ابنك؟ قال: لا، ولا على ذي نسب ولا صديق، ولكن على من هو أخصّ منهما. قال: قلت: أو يكون أحد أخصّ ممّن ذكرت؟ قال: نعم، من أخبرك عنه، إنّ هذا المدفون كان عدوّا لي، من كلّ باب، يسعى عليّ في نفسي ومالي وولدي، فخرج إلى صيد أيأس ما كنت من عطبه، وأكمل ما كان في صحّته، فرمى ظبيا، فأقصده، فذهب ليأخذه، فإذا الظّبي، وهو قد أنفذه حتى نجم سهمه [3] من صفحة البطن، فعثر، فتلقّى بفؤاده ظبة [4] السّهم، فلحقه أولياؤه، فانتزعوا السّهم، فإذا هو والظّبي ميتان، فنما إليّ خبره، فأسرعت إلى قبره مغتبطا بفقده، فإنّي لضاحك السّنّ إذ وقعت عيني على صخرة فرأيت عليها كتابا، فهلمّ فاقرأه، وأومأ إلى الصّخرة فإذا عليها: (الطويل)

وما نحن إلّا مثلهم غير أنّنا ... أقمنا قليلا بعدهم وتقدّموا

قال، فقلت: أشهد أنّك تبكي على من بكاؤك عليه أحقّ من النّسب.

وترجمة الفرزدق [5] [رحمه الله] من هذا أوسع، وفيما ذكرناه منها مقنع والحمد لله على ما ألهم، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم [5] [تسليما] .

(1) الكامل 4/ 9993إلى آخر الخبر.

(2) وكف الدّمع والماد وكفا ووكيفا: سال (اللسان: وكف) .

(3) نجم الشّيء ينجم بالضم نجوما: طلع وظهر. ظبة السّيف: طرفه (اللسان: ظبب، نجم) .

(4) نجم الشّيء ينجم بالضم نجوما: طلع وظهر. ظبة السّيف: طرفه (اللسان: ظبب، نجم) .

(5) زيادة من ج د.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت