وقال ياقوت في معجم الأدباء [1] : = حدثني من أثق به أن الحريريّ لما صنع المقامة الحرامية وتعانى الكتابة فأتقنها، وخالط الكتّاب أصعد إلى بغداد، فدخل يوما إلى ديوان السلطان وهو منغصّ بذوي الفضل والبلاغة، متحفّل [2] بأهل الكتابة والبراعة، وقد بلغهم ورود ابن الحريري، إلّا أنهم لم يعرفوا فضله، ولا اشتهر بينهم ببلاغته [3]
ونبله، فقال له بعض الكتاب: أيّ شيء تتعانى [4] من صناعة الكتابة حتى نباحثك فيه؟ فأخذ بيده قلما وقال: كل ما يتعلق بهذا، وأشار إلى القلم. فقيل له: هذه دعوى عظيمة، فقال: امتحنوا تخبروا، فسأله كلّ واحد منهم عمّا [5] يعتقد في نفسه إتعابه به، من أنواع الكتابة، فأجاب عن الجميع أحسن جواب، وخاطبهم بأتّم خطاب، حتّى بهرهم، فانتهى خبره إلى الوزير أنو شروان بن خالد فأدخله عليه، ومال بكلّيته إليه، والتزمه ونادمه فتحادثا يوما حتى انتهى الحديث إلى ذكر أبي زيد السّروجيّ فأورد ابن الحريري المقامة الحراميّة التي صنعها فاستحسنها أنوشروان جدا، وقال:
ينبغي أن تضاف هذه إلى أمثالها، وينسج على منوالها عدّة من أشكالها. فقال أفعل ذلك مع رجوعي إلى البصرة. فصنع أربعين مقامة ثم أصعد إلى بغداد، وهي معه وعرضها على أنوشروان فاستحسنها وتداولها النّاس، واتّهمه من يحسده بأن قال: ليس هذه من عمله لأنها لا تناسب رسائله، ولا تشاكل ألفاظه وقالوا: كلّ هذه من صناعة رجل كان استضافه ومات عنده فادّعاها لنفسه. وقال آخرون [6] :
بل العرب أخذت بعض القوافل وكان ممّا أخذ جراب لبعض المغاربة باعه العرب بالبصرة، فاشتراه ابن الحريري وادّعاه، فإن كان صادقا أنّها من عمله فليضع مقامة
(1) معجم الأدباء 16/ 266264إلى قوله: = وعلموا أنها من عمله = ببعض الإيجاز.
(2) متحفّل من تحفّل المجلس تزيّن وكثر أهله. (القاموس: حفل) .
(3) ج: لبلاغته، وهو غلط.
(4) تتعانى: من عناء وتعنّى: نصب وتعنّى العناء: تجشّمه (اللسان: عنا) ولعلهم يقصدون سؤاله عن الفن الذي يبذل فيه جهدا كبيرا ويبرع فيه من صناعة الكتابة.
(5) ج: مما، وهو غلط.
(6) الخبر في الوفيات 4/ 65ومعاهد التنصيص 3/ 273