وكان الحريري يوما جالسا بمجلس بعض الأكابر فجرى قول البستي في رجل بخيل شرير: [1] «إن لم يكن لنا طمع في درك درّك، فأعفنا من شرك شرّك» . فلم يبق أحد إلّا استحسنها وأقرّ بالعجز عن الإتيان بمثلها، فقال ابن الحريري في الحال [2] : إن لم تدننا من مبارك مبارّك فأعفنا من معارك معارّك.
وله من التصانيف غير المقامات: درّة الغوّاص في أوهام الخواصّ، وملحة الإعراب، وله ديوان شعر، وديوان رسائل. وليس شعره ولا رسائله من نمط المقامات، حتى كأنّ قائلها غير قائل تلك الرسائل وتلك الأشعار. قيل إنّ مسوداتها كانت حمل جمل. قال الصفدي [3] : وهذه مبالغة من القائل. وللشعراء فيها أمداح. من أحسنها قول إمام أهل البلاغة جار الله أبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري المعتزلي فيما نسب إليه [4] : (تام السريع)
أقسمت بالبيت وآياته ... ومشعر الخيف وميقاته
أنّ الحريريّ حريّ بأن ... نكتب بالتّبر مقاماته
وسمع الحريريّ رحمه الله من أبي تمام، ومحمد بن الحسين بن موسى المقريء [5] ، وأبي القاسم الفضل القصباني [6] الأديب وغيرهما. وتفقه على
(1) انظر هذه القولة في شعر البستي 102واليتيمة 4/ 307306والإعجاز 120وعيون التواريخ 12/ 136.
(2) القول في عيون التواريخ 12/ 136.
(3) انظر نصرة الثائر 57ولم ترد فيه هذه القولة، ولعل صحة العبارة هكذا: قاله الصفدي. وربما كانت القولة = وهذه مبالغة من القائل = لمؤلف الكوكب الثاقب.
(4) البيتان في النجوم الزاهرة 5/ 225وبغية الوعاة 2/ 258والخزانة 3/ 117.
(5) من الشيوخ القراء الذين حدّث عنهم الحريري وأخذ عنهم، مرآة الزمان 3/ 214والشذرات 4/ 50.
(6) أب ج ش: القاسم بن الفضل. (بن) غلط، والتصحيح من معجم الأدباء 16/ 218، 261وبغية الوعاة 2/ 246.
وأبو القاسم هو الفضل بن محمد بن علي البصري، كان واسع العلم إماما في النحو واللغة والأدب، أخذ عنه الحريري والخطيب التبريزي (444هـ) نزهة الألباء 352ومعجم الأدباء 16/ 218ونكت الهميان 227وبغية الوعاة 2/ 246والأعلام 5/ 151.