إنّك عوّام مليح؟ فقال: ما أردت بذلك إلّا أنّه خرج من بحر ودخل في بحر، فاستحيا هو ووالده. ثم لم يزل يتهذّب حتى فاق أهل عصره، وصار من فحول الرّجال. حكي أنه اجتمع يوما هو وأصحابه وأرادوا النّزهة، فأخرجوا من بينهم دراهم، وأخذوا منها عشرة دراهم وجاءوا بها إلى جزار في باب زويلة [1] فوقفوا عليه، وقالوا [2] (له) : أتدري من هذا الواقف عليك؟ قال: لا، قالوا: هذا الشيخ جمال الدين أبو الحسين الجزّار، أديب الدّيار المصرية وإمامها، فباس الجزار السكين وقدّمها لأبي الحسين وقال: يا سيدي والله ما يدخل يقطع هذا اللّحم إلّا أنت، فدخل أبو الحسين وجعل يقطع لهم الرقبة والعرقوب [3] والمراقّ والعظام والمطاميط [4] ، وأصحابه ساكتون لا يكلّمونه حتى فرغ وأخذوا اللّحم، فقالوا له:
أمّا الرجل فخلاه الذّمّ وعداه اللّوم [5] ، لأنه مكّنك من أطايب اللّحم، وأما أنت، فلم فعلت بنا هذه الفعلة؟ فقال: بالله اعذروني والله إنّي لمّا رأيت نفسي وأنا خلف القرميّة والسّاطور [6] وبيدي السكين جاءتني لآمة الجزارين وما قدرت أفعل غير ما رأيتم، فضحكوا منه.
(1) ج: زويليه.
وباب زويلة أحد أبواب القاهرة. معجم البلدان 3/ 160والوفيات 1/ 238.
(2) ما بين القوسين ساقط من ج.
(3) أب ج ش: يحط لهم الرقبة والعروق. (يحط) ، (العروق) غلط، والتصحيح من الفوات 4/ 279.
(4) المراقّ: ما رقّ من البطن ولان وسفل عند الصّفاق أسفل من السّرّة. (اللسان ومحيط المحيط: رقق) . المطاميط: لم أعثر عليها في المظان. وهي كلمة عامية يقصد بها قطع اللحم الرديئة.
(5) ج: اللؤم.
(6) القرميّة أصل الشجرة الداخل في الأرض. (محيط المحيط: قرم) ويقصد بها هنا الخشبة التي يقطع عليها الجزار اللحم.
الساطور هو سيف الجزار. (اللسان: سطر) .