ويصبر على أخلاق الرّجال، وبها تنفّذ كلّ عزيمة أوجبها الحزم والعدل والعقل، وبها يضحك [1] الرّجال في وجوه الرّجال، وقلوبها مشحونة بالضّغائن، كما قال أبو الدرداء [2] رضي الله عنه: إنّا لنكشر في وجوه أقوام وإنّ قلوبنا لتلعنهم، وكما قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه [3] : إنّا لنصافح أكفا نرى قطعها. والحاصل أنّ كلّ فضيلة تجتلب، وكلّ رذيلة ومنقصة تدفع أو تجتنب، لا تدرك ولا تنال، ولا تكتسب إلّا بقوّة القلب. ألا ترى [4] أنّ من همّ أن يمنح شيئا خار طبعه ووهن قلبه وعجزت نفسه فشحّت به، فإذا حقّق عزمه وقوّى قلبه وقهر ذلك العجز أخرج المال المضنون [5] (به) ، وعلى قدر قوّة القلب وضعفه يكون طيّب النفس بإخراجه، أو كراهته لإخراجه مع إخراجه. وقس على هذا سائر الفضائل، فإنّها ما [6] لم تقارنها قوة القلب لم تتحقق، وكانت معدومة أبد الآبدين. فالشجاعة إذا قوة قلب الإنسان على ما يوجبه العدل والعلم لا أن يكون لجوجا في الباطل صبورا على التّعب جلدا عند الضرب مصمّما على التّهوّر والتغرير فإن ذلك من صفة الحمر والخنازير، ولكن أن يكون صبورا على أداء الحقوق التي عليه، صبورا على سماعها عند إلقائها عليه غالبا لهواه، قاهرا لشهواته، ملتزما للفضائل جهده، عاملا في ذلك على الحقيقة التي لا يحيله عنها حياة ولا موت، حتى يكون عمره مؤيّدا على الخير الذي أشار به العلم وأوجبه العدل، ومن ثم كان رسول صلى الله عليه وسلم أشجع الناس على الإطلاق، إذ هو أقواهم قلبا، وأثبتهم جأشا، وأجمعهم للخصال
(1) أج هـ و: يضحك (بالياء، والتاء معا) . ب: يضحك، ش: تضحك.
(2) هو عويمر بن عامر الأنصاريّ صحابيّ من الحكماء الفرسان، اشتهر بأبي الدرداء تولى قضاء دمشق، وهو من الذين جمعوا القرآن حفظا على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم (32هـ) الاستيعاب 3/ 12301227، 4/ 16481646والأعلام 5/ 98.
والقول في مجمع الأمثال 1/ 59.
(3) ج: رضي الله عنه وكرم وجهه.
(4) من سراج الملوك 139بتصرف إلى قوله: = لم تتحقق وكانت معدومة =.
(5) ما بين القوسين ساقط من ج.
(6) أب ج ش: مهما، وهو غلط.