ثانيهما: أنه إذا قال: والله لا أطأ زوجاتي الأربع، فإن له أن يطأ ثلاثًا منهم بدون كفارة وبهذا يكون قد آلى من زوجاته بدون أن يفعل أمرًا شاقًا. والجواب: أنه إذا قال: والله لا أطأ زوجاتي الأربع كان معناه أنه حلف على ترك وطء الأربع جميعًا، فإذا أتى بعضهن لا يحنث، بل يحنث إذا أتى الأربع، فإذا أتى الثلاث وترك واحدة صار موليًا منها وحدها، ونظير ذلك ما إذا حلف لا يكلم زيدًا، وعمرًا، ثم كلم زيدًا فقط فإنه لا يحنث، فإذا كلم عمرًا بعد زيد حنث، كما إذا كلمهما معًا وكذا لو قال لزوجته، وأمته: والله لا أقربكما، ثم أتى زوجته وحدها فإنه لا يكون موليًا، فإذا أتى الأمة بعدها كان موليًا من زوجته لتوقف الحلف على اتيانهما معًا.
الحنابلة - قالوا: الإيلاء حلف زوج - يمكنه أن يجامع - بالله تعالى أو صفة من صفاته على ترك وطء امرأته ولو قبل الدخول في قبلها، فقولهم: زوج خرج به سيد الأمة، فإنه لو حلف أن لا يطأ أمته لا يكون موليًا، وقولهم: يمكنه أن يجامع خرج به الصغير الذي لا يمكنه الجماع، ومثله العنين، والمجبوب، فإن حلف هؤلاء لا يكون إيلاء شرعيًا وقولهم: بالله أو صفة من صفاته خرج به الحلف بالكعبة، والنبي، والطلاق، والعتق والظهار، ونحو ذلك، فإن من حلف بها لا يكون موليًا، وقولهم على ترك وطء امرأته في قبلها خرج به ما لو حلف على ترك وطئها في دبرها أو بين فخذيها أو نحو ذلك، مما سيأتي تفصيله.
وهل الحلف بالنذر، كالحلف بالله، أو كالحلف بغيره؟ خلاف، فلو قال لها: إن وطئتك فالله علي أن أصلي عشرين ركعة، كان موليًا ينتظر له أربعة أشهر، ثم يعمل معه ما يعمل مع المولي، وبعضهم يقول: إنه يكون موليًا لأن الحلف بالنذر كغيره ليس بيمين، وهو الظاهر، وذلك لأن الحنابلة قالوا: إن الإيلاء هو قسم، والقسم لا يكون إلا بالله أو صفة من صفاته، فإذا علق الحلف على الوطء بالطلاق، كأن قال: إن جامعتك فأنت طالق، أو علقه على العتق، كان قال: إن أتيتك فعبدي حر، أو علقه على ظهار، كأن قال: إن وطئتك فأنت علي كظهر أمي، أو علي نذر كأن قال: إن جامعتك فعلي حج أو صدقة، أو نحو ذلك. فإنه لا يكون بكل هذا موليًا، لأن العليق بالشرط ليس فيه معنى القسم، ولذا لم يؤت فيه بحرف القسم، غايته أن يشارك القسم في المنع من الفعل أو الترك، فتسميته حلفًا من باب التجوز، فالحالف بالتعلق كالحلف بالكعبة في أن كل منهما ليس قسمًا، فإذا حلف بشيء من ذلك وجامعها كان عليها جزاؤه فيقع طلاقه. ويلزمه عتقه، ونذره، وصلاته، وصيامه، وإن لم يجامعها لم يكن موليًا. نعم للزوجة إذا تركها زوجها أربعة أشهر - ولو بدون إيلاء - الحق في رفع أمرها للحاكم ليأمره بإتيانها، أو بطلاقها كما سيأتي في حكم الإيلاء.
وإذا قال لها: إن وطئتك فلله علي صوم أمس، فإنه لا يلزمه بوطئها شيء، لأن نذر الماضي لا يلزم، ومثل ذلك ما إذا قال لها: إن وطئتك فعلي صوم هذا الشهر، ثم وطئها بعد انقضائه، فإنه لا يلزمه شيء لأنه صار ماضيًا، أما إذا قال لها: إن وطئتك فعلي صيام الشهر الذي أطؤك فيه، ثم وطئها كان عليه أن يصوم ما بقي من ذلك الشهر.