ويشترط للفسخ أن يثبت عجزه عن أقل الطعام، وهو مد، فإن قدر على أن يأتيها كل يوم بمد من الحب وعجز عما عداه من أدم ولحم. أو عجز عن الإتيان بما تقعد عليه أو تنام عليه أو تتغطى به أو عجز عن آنية الأكل والشرب وآلة الطبخ وآلة التنظيف وعجز عن الأخدام فلا فسخ لها بشيء من ذلك. لأن المطلوب في هذه الحالة أن يأتي لها بما يقوم حياتها. ومثل العجز عن مد الطعام العجز عن أقل مسكن يأويها فيه ولو لم يكن لائقًا بها. وكذلك العجز عن أقل كسوة وقد بحث بعضهم في بعض هذه الأمور وقال: إن النوم على البلاط وبدون غطاء مضر بالحياة، فينبغي أن يأتي لها بأقل ما يحفظ لها صحتها، وإلا كان لها حق الفسخ، فإذا لم يثبت عجزه بالبينة أو بإقراره أمام القاضي، فلا فسخ.
فإن كان موسرًا أو متوسطًا أو معسرًا قادرًا على نفقة المعسرين، ولكنه امتنع عن الإنفاق عليها، فلا فسخ، لأنها يمكنها أن تأخذ نفقتها منه جبرًا بالقضاء. وإذا كان الزوج غائبًا ولم يثبت إعساره ببينة يكون كالحاضر الممتنع، فليس لها طلب فسخ نكاحه، سواء انقطع خبره أو لم ينقطع. على المعتمد، ولو لم يترك لها شيئًا في غيبته ولو غاب مدة طويلة، لأن الشرط ثبوت عجزه عن أقل نفقة، وعلى الوجه الذي ذكرناه، وإلا كان موسرًا يمكنه أن تأخذ منه نفقتها جبرًا، سواء كان حاضرًا أو غائبًا، وإذا كان الزوج حاضرًا وله مال بعيد عنه، فإن كان المال في جهة تبعد أقل من مسافة القصر فلا حق لها في الفسخ ويؤمر بإحضار نفقتها حالًا، إن سهل إحضارها، وإلا فلها الفسخ، أما إن كان في جهة بعيدة فوق مسافة القصر، فإن لها الفسخ على أي حال لتضررها.
وهذا الكلام إنما هو بالنسبة للزمن الماضي، حيث لم توجد مواصلات سريعة، أما في زماننا فقد يكون للرجل مال في أسوان وهو في مصر ومع ذلك فإنه يمكنه أن يحضره في أقل من مسافة القصر، وعلى هذا يصح أن يقال: إن كان له مال في جهة لا يتمكن فيها من الحصول عليه بسهولة يكون في حكم المعسر وإلا فلا. والحاصل أن شروط الفسخ أربعة، أحدها: أن يعجز عن أقل نفقة، وهي نفقة المعسرين، فإن قدر عليها لم يكن معسرًا، وأولى إن قدر على المتوسط، ثانيها: أن يكون عاجزًا، عن النفقة الحاضرة أو المستقبلة، أما العجز عن النفقة المتجمدة فلا فسخ به، ثالثها: أن يكون عاجزًا عن نفقة الزوجة، فإذا عجز عن نفقة خادمها فلا فسخ. رابعها: أن يكون عاجزًا عن الطعام أو الكسوة أو المسكن، أما العجز عن الأدم وتوابعه من آنية وفرش وغطاء ونحو ذلك فلا فسخ به.
هذا، وقد تقدم أن الفسخ في هذه الحالة فرقة لا طلاق في مبحثه، ولا يشترط عدم علمها بفقره عند العقد، فإذا علمت ورضيت به ثم عجز عن الإنفاق كان لها حق الفسخ، لأن النفقة ضرورية للحياة، ورضاها به على أمل أنه يتكسب ويشق له طريقًا في الحياة لا يسقط حقها في النفقة، حتى ولو قالت: رضيت، لأن الوعد في هذه الحالة بالرضا لا يصدر إلا على أمل أن يأتي لها بأقل النفقة.