بخلاف القطع والجرح، لأنه اتلاف بعض المحل، وأنه يوجب الضمان للمولى. وبعد السراية لو وجب شيء، لوجب للعبد فتصير النهاية مخالفة للبداية.
أما الرمي قبل الإصابة ليس بإتلاف شيء منه، لأنه لا أثر له في المحل، وإنما قلت الرغبات فيه فلا يجب به ضمان، فلا تتخالف البداية والنهاية، فتجب قيمته للمولى، ومن قضي عليه بالرجم فرماه رجل ثم رجع احد الشهود، ثم وقع به الحجرن فلا شيء على الرامي، لأن الممعتبر حالة الرمي وهو مباح الدم فيها اهـ.
المالكية قالوا: من رمى شخصًا مسلمًا، فارتد المرمي والعياذ بالله ثم أصابه السهم، فلا شيء على الرامي، بل يكون دمه هدرًا، ولا قصاص ولا دية عليه، لأن التلف حصل في محل لا عصمة له، فيكون هدرًا، كما لو جرحه ثم ارتد ثم مات، وكما لو أبرأه بعد الجرح عن الجنايةن أو عن حقه، وكما لو أبرأه عن الجناية ثم اصابه السهم، وكما لو اعتق المالك العبد المغصوب يصير مبرئًا للغاصب عن الضمان لأنه يشترط في المجني عليه العصمة من وقت الضرب، أو الرمي بالسهم للموت، ولأنه بالارتداد أسقط تقوم نفسه، فيكون مبرئًا للرامي عن موجبه، كما إذا أبرأه عن حقه بعد القطع وقبل الموتن فإنه يكون هدرًا ولا ضمان له، ولأن عدم وجب الضمان باعتبار أن الارتداد قاطع للسراية كالعتق، لا باعتبار أنه صار مبرئًا، وكذا تعتبر العصمة حالة الرمي، فمن رمى غير معصوم، أو أنقص منه برق أو كفر، فأسلم قبل الإصابة، أو عتق الرقيق، لم يقتص من الرامي، وأما من قطع يد معصوم مثلًافارتد المقطوع، ثم مات من القطع مرتدًا، فإنه يثبت القصاص في القطع فقط، لأنه كان معصومًا حال القطع.
مبحث في حكم الفعلين
الحنفية قالوا: ومن قطع يد رجل خطأ ثم قتله عمدًا قبل أن تبرأ يده أو قطع يده عمدًا ثم قتله خطأ، أو قطع يده خطأ فبرأت يده، ثم قتله خطأ، أو قطع يده عمدًا فبرأت، ثم قتله عمدًا، فإنه يؤخد بالأمرين جميعًا، فإن الصل فيه: أن الجمع بين الجراحات واجب ما أمكن تتميمًا للأول، لأن القتل في الأعم يقع بضربات متعاقبة، وفي اعتبار كل ضربة بنفسها بعض الحرج، إلا أن لا يمكن الجمع فيعطى كل واحد حكم نفسه، وقد تعذر الجمع فيهذه الصور، في الأولين، لاختلاف حكم الفعلين وضعًا موجبًا، لأن احد الفعلين خطأ، والثاني عمد، وفي الآخرين متعذر الجمع أيضًا لتخلل البرء، فلا جمع اصلًا، لأن الفعل الأول قد انتهى، فا البرء قاطع للسراية، فيكون القتل بعده ابتداء، فلا بد من اعتبار كل واحد منهما، حتى لو لم يتخلل وقد تجانسا، بأن كانا خطأين، فإنه يجمع بين الأمرين بالإجماع، لإمكان الجمع، واكتفى بدية واحدة، حيث انفى المانع من الجمع، وهو تخلل البرء، والاختلاف.
وإن تجانسا عمدًا، بأن كان قطع يده عمدًا، ثم قتله عمدًا، قبل أن تبرأ يده، فقد اختلف فيه.