الوجه الثاني: من حيث العارض؛ فقد يعرض لهذه التكاليف الشرعية المبنية على التيسير أسباب؛ فيدخلها التيسير مرة أخرى ولهذا قال الشيخ رحمه الله: [وعند عارض طرا] .
وهذه هي القاعدة الثانية الكلية من القواعد الخمس وهي قاعدة: [المشقة تجلب التيسير] .
وهذه القاعدة يُعبّر عنها أيضًا بلفظ آخر: [إذا ضاق الأمر اتسع] .
ودليل هذه القاعدة: ما تقدم من قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} وقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} وقوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [1]
وقوله: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [2] .
وما رواه أحمد في مسنده وغيره مرفوعًا"إنما بعثت بالحنيفية السمحة" [3] وأما الإجماع: فحكاه غير واحد كالشاطبي في"موافقاته".
والمشقة قسّمها العلماء رحمهم الله إلى قسمين:
القسم الأول: مشقة معتادة: فهذه يُكلِّف بها الشارع فالإنسان يعتاد أن يتحملها، فكون الإنسان يُصلي الصلوات الخمس هذه مشقة لكنها معتادة، وكونه يصوم شهر رمضان ويزكي هذا الجزء من ماله هذه مشقة لكنها معتادة.
القسم الثاني: مشقة خارجة على العادة: فهذه لا يُكلِّف بها الشارع.
مثال ذلك: إطالة السهر في القيام، وإطالة الصوم في النهار، وإخراج كل المال في الزكاة، أو نصف المال، أو ربعه ... إلخ هذه لا يُكلِّف بها الشارع.
والمشقة يقسمها الفقهاء كما نص على ذلك ابن نُجيم الحنفي في (الأشباه والنظائر) إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: مشقة تخرج الفعل عن طاقة العبد وقدرته، (كإخراج المال كله في الزكاة) .
القسم الثاني: مشقة خفيفة لا تخرج الفعل عن طاقة العبد وقدرته (كأدنى مرض) .
القسم الثالث: مشقة يتنازعها القسمان السابقان فقد تصل إلى رتبة الأول وقد تنزل إلى رتبة
(1) سورة البقرة، الآية: 286.
(2) سورة التغابن، الآية: 16.
(3) هذا الخبر بهذا اللفظ أخرجه الطبراني في الكبير (8/ 170) وسنده ضعيف وآفته عُفير بن معدان وهو ضعيف، ورواه أحمد في مسنده (6/ 116) ولفظه"إني أرسلت بحنيفية سمحة"ورجاله ثقات حفاظ.