قوله: [جردا عن أمره] : يعني الفعل المجرد غير واجب بدا وهذا البيت يفيد قاعدة وهي: [أن أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - المجردة الأوامر تفيد الاستحباب ولا تفيد الوجوب] .
واعلم أن أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
• القسم الأول: ما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - على وجه القربة والطاعة فهذا لا يخلو من أمرين:
الأمر الأول: أن يدل دليل على اختصاصه بهذا الفعل فإنه يختص به ولا يكون مشروعًا لغيره وذلك مثل: الوِصَال"وصال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصوم" [1] فهذا مخصوص بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، ومثل ذلك: صلاة ركعتين بعد العصر [2] فهذا جعله بعض أهل العلم من خصائصه ... إلخ.
الأمر الثاني: أن لا يدل دليل على اختصاص النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذا الحكم، فإن الأصل في ذلك التأسّي. يعني أن ما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - على وجه القربة ولا دلَّ دليل على اختصاص النبي - صلى الله عليه وسلم -، فالأصل في ذلك التأسّي ويدل لذلك أدلة منها:
قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [3] وقوله تعالى: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [4] وقوله تعالى: {وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا} [5] وقوله تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ} [6] وقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} [7] وقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [8] وأيضًا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في خطبة الجمعة:"فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم -". [9] فالأشياء التي لم يقم دليل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اختص بها فالأصل عدم الخصوصية ومن ادعى الخصوصية فعليه الدليل.
(1) أخرجه البخاري رقم (1994) ، ومسلم رقم (1105) .
(2) أخرجه البخاري رقم (591) ، ومسلم رقم (835) .
(3) سورة آل عمران، الآية: 31.
(4) سورة الحشر، الآية: 7.
(5) سورة النور، 54.
(6) آل عمران، الآية: 132.
(7) سورة النساء، الآية: 59.
(8) الأحزاب، سورة: 21.
(9) أخرجه مسلم رقم (867) .