وقال الباجي في (الحدود) وبه قطع الآمدي وابن الحاجب رحمهم الله بأن العلة في الاصطلاح: الوصف المشتمل على الحكمة الباعثة على تشريع الحكم.
وهذه القاعدة أغلبية لا مطّردة، وقد اتفق عليها الفقهاء قاله ابن النجار في (شرح مختصر التحرير) .
وبنحوه قال الشاطبي (في الموافقات) ومثالها ما جاء في الصحيحين قال - صلى الله عليه وسلم:"إنما نهيتكم من أجل الدَافَّة التي دفَّت فكلوا وادخروا وتصدقوا". [1]
والدَافَّة: هم الأعراب الفقراء الذين دفَّوا - والدف نوع من أنواع المشي - إلى المدينة وقت عيد الأضحى، فنهى النبي - صلى الله عليه وسلم - الصحابة عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث حتى يتصدقوا على هؤلاء الفقراء.
وإنما قيل: إن القاعدة السابقة أغلبية؛ لأن لها استثناءات. وهي ترجع إلى مجموعة أمور:
أولها: ما كان له - يعني الحكم - أكثر من علة فإن انتفاء بعض العلل لا يوجب انتفاء الحكم، كالحدث ببول وغائط فإنه يوجب عدم الصلاة حتى يرتفع الحدث، فلو انتفت علة البول فلا يعني جواز مباشرة الصلاة وصحتها؛ لأنه قد يوجد علة أخرى وهي الغائط مثلًا تمنع الصلاة.
ثانيها: الحكم الذي بقي مع انتفاء علته مثل الرَّمَل [2] ، فإن العلة انتفت وهي إظهار النشاط للكفار [3] وبقي الحكم لفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك في حجة الوداع. [4]
ثالثها: ما كان الحكم مبنيًا على علة ظنية، مثل الرخص المتعلقة بالسفر لمظنة المشقة، فإن أحكام الرخص تستمر ولو لم توجد تلك العلة، وهي المشقة؛ لكونها ظنية قاله شيخ الإسلام رحمه الله في (مجموع الفتاوى) .
العلة: وصف مناسب للحكم، والأحكام الشرعية كلها معللة؛ أي: مبنية على أوصاف ومعاني مناسبة للحكم، والعلل في الأحكام الشرعية تنقسم قسمين:
(1) أخرجه مسلم رقم (1971) ونحوه عند البخاري رقم (1719) .
(2) الرمل: هو"الإسراع في المشي مع تقارب الخطا".
(3) وذلك عندما قال المشركون أنه يقدم عليكم قوم قد وهنتهم حمى يثرب فأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يرملوا الأشواط الثلاثة. أخرجه البخاري رقم (1602) ومسلم (1266) .
(4) فِعْل النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع أخرجه مسلم (1218) .