هذا شروع في تعداد آياته الدالة على انفراده بالإلهية، وكمال عظمته. ونفوذ مشيئته، وقوة اقتداره، وجميل صنعه، وسعة رحمته وإحسانه فقال:"ومن آياته أن خلقكم من تراب"وذلك بخلق أصل النسل، آدم عليه السلام"ثم إذا أنتم بشر تنتشرون"وبثكم في أقطار الأرض وأرجائها. ففي ذلك إيات على أن الذي أنشأكم من هذا الأصل، وبثكم في أقطار الأرض، هو الرب المعبود، الملك المحمود، والرحيم الودود، الذي سيعيدكم بالبعث بعد الموت."ومن آياته"الدالة على رحمته، وعنايته بعباده، وحكمته العظيمة، وعلمه المحيط."أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا"تناسبكم وتناسبونهن، وتشاكلكم وتشاكلونهن."لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة"بما رتب على الزواج، من الأسباب الجالبة للمودة والرحمة. فحصل بالزوجة الاستمتاع واللذة، والمنفعة بوجود الأولاد وتربيتهم، والسكون إليها. فلا تجد بين اثنين في الغالب، مثل ما بين الزوجين، من المودة والرحمة."إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون"يعملون أفكارهم، ويتدبرون آيات الله، وينتقلون من شيء إلى شي."ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين"والعالمون، هم أهل العلم، الذين يفهمون العبر، ويتدبرون الآيات، وآيات الله في ذلك كثيرة:"ومن آياته خلق السماوات والأرض"وما فيهما، فإن ذلك، دال على عظمة سلطان الله، وكمال اقتداره، الذي أوجد هذه المخلوقات العظيمة وكمال حكمته، لما فيها من الإتقان، وسعة علمه ـ لأن الخالق، لا بد أن يعلم ما خلقه"ألا يعلم من خلق"ـ وعموم رحمته وفضله، لما في ذلك من المنافع الجليلة. وأنه المريد، الذي يختار ما يشاء، لما فيها من التخصيصات والمزايا. وأنه وحده، الذي يستحق أن يعبد ويوحد؛ لأنه المنفرد بالخلق، فيجب أن يفرد بالعبادة. فكل هذه، أدلة عقلية، نبه الله العقول إليها، وأمرها بالتفكر،