قوله تعالى:"وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد أفترى على الله كذبا أم به جنة بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء إن في ذلك لآية لكل عبد منيب"
أي:"وقال الذين كفروا"على وجه التكذيب والاستهزاء والاستبعاد. أي: قال بعضهم لبعض:"هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد"يعنون بذلك الرجل، رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه رجل أتى بما يستغرب منه، حتى صار ـ بزعمهم ـ فرجة يتفرجون عليه، وأعجوبة يسخرون منه. وأنه كيف يقول:"إنكم مبعوثون"بعدما مزقكم البلى، وتفرقت أوصالكم، واضمحلت أعضاؤكم؟ فهذا الرجل الذي أتى بذلك، هل"افترى على الله كذبا"فتجرأ عليه وقال ما قال،"أم به جنة"؟ فلا يستغرب منه، فإن الجنون فنون. وكان هذا منهم، على وجه العناد والظلم، ولقد علموا، أنه أصدق خلق الله وأعقلهم، ومن علمهم، أنهم أبدأوا وأعادوا في معاداتهم، وبذلوا أنفسهم وأموالهم، في صد الناس عنه؛ فلو كان كاذبا مجنونا ـ يا أهل العقول غير الزاكية ـ لم ينبغ أن تصغوا لما قال، ولا أن تحتفلوا بدعوته. فإن المجنون، لا ينبغي للعاقل أن يلفت إليه نظره، أو يبلغ قوله منه، كل مبلغ. ولولا عنادكم وظلمكم، لبادرتم لإجابته، ولبيتم دعوته، ولكن"وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون"... ولهذا قال تعالى:"بل الذين لا يؤمنون بالآخرة"ومنهم الذين قالوا تلك المقالة."في العذاب والضلال البعيد"أي: في الشقاء العظيم، والضلال البعيد، الذي ليس بقريب من الصواب. وأي شقاء وضلال، أبلغ من إنكارهم لقدرة الله على البعث، وتكذيبهم لرسوله، الذي جاء به، واستهزائهم به، وجزمهم بأن ما جاءوا به هو الحق، فرأوا