قوله تعالى:"وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير"هذا إخبار من الله بسعة علمه، وشمول لطفه، فقال:"وأسروا قولكم أو اجهروا به"، أي: كلاهما سواء لديه، لا يخفى عليه منهما خافية."إنه عليم بذات الصدور"، أي: بما فيها من النيات، والإرادات، فكيف بالأقوال والأفعال، التي تسمع وترى؟ ثم قال ـ مستدلا بدليل عقلي على علمه ـ:"ألا يعلم من خلق"، فمن خلق الخلق وأتقنه، وأحسنه، كيف لا يعلمه؟"وهو اللطيف الخبير"الذي لطف علمه وخبره، حتى أدرك السرائر والضمائر، والخبايا والخفايا، والغيوب"فإنه يعلم السر وأخفى". ومن معاني اللطيف، أنه الذي يلطف بعبده ووليه، فيسوق إليه البر والإحسان، من حيث لا يشعر، ويعصمه من الشر، من حيث لا يحتسب، ويرقيه إلى أعلى المراتب، بأسباب لا تكون من العبد على بال، حتى إنه يذيقه المكاره، ليوصله بها، إلى المحاب الجليلة، والمطالب النبيلة.
"هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور"..."فامشوا في مناكبها"، أي: لطلب الرزق والمكاسب."وكلوا من رزقه وإليه النشور"، أي: بعد أن تنتقلوا من هذه الدار التي جعلها الله امتحانا، وبلغة يتبلغ بها إلى الدار الآخرة، تبعثون بعد موتكم، وتحشرون إلى الله، ليجازيكم بأعمالكم الحسنة والسيئة
وقوله تعالى: ? أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ ? (الملك 19)
? قال الإمام السعدي رحمه الله تعالى