"وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر كان يؤوسا"هذه طبيعة الإنسان، من حيث هو إلا من هداه الله. فإن الإنسان ـ عند إنعام الله عليه ـ يفرح بالنعم، ويبطر بها، ويعرض، وينأى بجانبه عن ربه، فلا يشكره، ولا يذكره."وإذا مسه الشر"كالمرض ونحوه"كان يؤوسا"من الخير، قد قطع من ربه رجاءه، وظن أن ما هو فيه، دائم أبدا. وأما من هداه الله، فإنه ـ عند النعم ـ يخضع لربه، ويشكر نعمته، وعند الضراء، يتضرع، ويرجو من الله عافيته، وإزالة ما يقع فيه، وبذلك يخف عليه البلاء."قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا"أي:"قل كل"من الناس"يعمل على شاكلته"أي: على ما يليق به من الأحوال. إن كانوا من الصفوة الأبرار، لم يشاكلهم إلا عملهم لرب العالمين. ومن كانوا من غيرهم من المخذولين لم يناسبهم إلا العمل للمخلوقين، ولم يوافقهم إلا ما وافق أغراضهم."فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا"فيعلم من يصلح للهداية، فيهديه، ومن لا يصلح لها فيخذله ولا يهديه.
"ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا"وهذا متضمن لردع من يسأل المسائل، التي يقصد بها التعنت والتعجيز، ويدع السؤال عن المهم، فيسألون عن الروح التي هي من الأمور الخفية، التي لا يتقن وصفها وكيفيتها، كل أحد، وهم قاصرون في العلم الذي يحتاج إليه العباد. ولهذا أمر الله رسوله، أن يجيب سؤالهم بقوله:"قل الروح من أمر ربي"أي: من جملة مخلوقاته، التي أمرها أن تكون فكانت. فليس في السؤال عنها، كبير فائدة، مع عدم علمكم بغيرها. وفي هذه الآية دليل، على أن المسؤول إذا سئل عن أمر، الأولى به أن يعرض عن إجابة السائل عما سأل عنه، ويدله على ما يحتاج إليه، ويرشده إلى ما ينفعه.