فهرس الكتاب

الصفحة 811 من 973

"واجعلنا للمتقين إماما"أي: أوصلنا يا ربنا، إلى هذه الدرجة العالية، درجة الصديقين، والكمل من عباد الله الصالحين، وهي درجة الإمامة في الدين، وأن يكونوا قدوة للمتقين، في أقوالهم، وأفعالهم، يقتدى بأفعالهم ويطمئن لأقوالهم، ويسير أهل الخير خلفهم، فيهدون، ويهتدون. ومن المعلوم، أن الدعاء ببلوغ شيء، دعاء بما لا يتم إلا به. وهذه الدرجة ـ درجة الإمامة في الدين ـ لا تتم إلا بالصبر واليقين، كما قال تعالى:"وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون". فهذا الدعاء، يستلزم من الأعمال، والصبر على طاعة الله، وعن معصيته، وأقداره المؤلمة، ومن العلم التام، الذي يوصل صاحبه إلى درجة اليقين ـ خيرا كثيرا، وعطاء جزيلا، وأن يكونوا في أعلى، ما يمكن من درجات الخلق بعد الرسل. ولهذا ـ لما كانت هممهم ومطالبهم عالية ـ كان الجزاء من جنس العمل، فجازاهم بالمنازل العاليات فقال:"أولئك يجزون الغرفة بما صبروا"أي: المنازل الرفيعة، والمساكن الأنيقة الجامعة لكل ما يشتهى، وتلذه الأعين، وذلك بسبب صبرهم، نالوا ما نالوا، كما قال تعالى:"والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار"ـ ولهذا قال هنا:"ويلقون فيها تحية وسلاما"من ربهم، ومن ملائكته الكرام، ومن بعض على بعض، ويسلمون من جميع المنغصات والمكدرات. والحاصل: أن الله وصفهم بالوقار والسكينة، والتواضع له ولعباده، وحسن الأدب، والحلم، وسعة الخلق، والعفو عن الجاهلين، والإعراض عنهم، ومقابلة إساءتهم بالإحسان، وقيام الليل، والإخلاص فيها، والخوف من النار، والتضرع لربهم، أن ينجيهم منها، وإخراج الواجب والمستحب في النفقات، والاقتصاد في ذلك. وإذا كانوا مقتصدين في الإنفاق، الذي جرت العادة، بالتفريط فيه، أو الإفراط، فاقتصادهم، وتوسطهم في غيره، من باب أولى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت