قوله تعالى:"فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون"
هذا تزهيد في الدنيا، وترغيب في الآخرة، وذكر الأعمال الموصلة إليها فقال:"فما أوتيتم من شيء"من ملك ورياسة، وأموال، وبنين، وصحة، وعافية بدنية."فمتاع الحياة الدنيا"لذة منغصة منقطعة."وما عند الله"من الثواب الجزيل، والأجر الجليل، والنعيم المقيم"خير"من لذات الدنيا، خيرية لا نسبة بينهما"وأبقى"لأنه نعيم لا مغص فيه ولا كدر، ولا انتقال. ثم ذكر لمن هذا الثواب فقال:"للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون"أي: جمعوا بين الإيمان الصحيح، المستلزم لأعمال الإيمان الظاهرة والباطنة وبين التوكل، الذي هو الآلة لكل عمل. فكل عمل لا يصحبه التوكل، فغير تام، وهو"أي: التوكل"الاعتماد بالقلب على الله. في جلب ما يحبه العبد، ودفع ما يكرهه مع الثقة به تعالى."والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش"والفرق بين الكبائر والفواحش ـ مع أن جميعهما كبائر ـ أن الفواحش هي: الذنوب الكبار التي في النفوس داع إليها، كالزنا ونحوه، والكبائر، ما ليس كذلك، هذا عند الاقتران. وأما مع إفراد كل منهما عن الآخر يدخل فيه.