ما أتلفها، فهاجت ويبست، وعادت إلى حالها الأولى، كأنه لم ينبت فيها خضراء، ولا رؤي لها مرأى أنيق. كذلك الدنيا، بينما هي زاهية لصاحبها، زاهرة، مهما أراد من مطالبها حصل، ومهما توجه لأمر من أمورها وجد أبوابه مفتحة، إذ أصابها القدر فأذهبها من يده، وأزال تسلطه عليها، أو ذهب به عنها، فرحل منها صفر اليدين، ولم يتزود منها سوى الكفن، فتبا لمن أضحت هي غاية أمنيته ولها عمله وسعيه. وأما العمل للآخرة فهو الذي ينفع، ويدخر لصاحبه، ويصحب العبد على الأبد، ولهذا قال تعالى:"وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان"، أي: حال الآخرة، لا يخلو من هذين الأمرين. إما العذاب الشديد في نار جهنم، وأغلالها وسلاسلها وأهوالها لمن كانت الدنيا هي غايته، ومنتهى مطلبه، فتجرأ على معاصي الله، وكذب بآيات الله، وكفر بأنعم الله. وإما مغفرة من الله للسيئات، وإزالة العقوبات، ورضوان من الله، يحل من أحله عليه دار الرضوان لمن عرف الدنيا، وسعى للآخرة سعيها. فهذا كله، مما يدعو إلى الزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة ولهذا قال:"وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور"، أي: إلا متاع يتمتع به، وينتفع به، ويستدفع به الحاجات، لا يغتر به، ويطمئن إليه، إلا أهل العقول الضعيفة الذين يغرهم بالله الغرور. ثم أمر بالمسابقة إلى مغفرة الله ورضوانه وجنته، وذلك يكون بالسعي بأسباب المغفرة، من التوبة النصوح، والاستغفار النافع، والبعد عن الذنوب ومظانها، والمسابقة إلى رضوان الله بالعمل الصالح، والحرص على ما يرضي الله على الدوام، من الإحسان في عبادة الخالق، والإحسان إلى الخلق بجميع وجوه النفع، ولهذا ذكر الله الأعمال الموجبة لذلك، فقال:"وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله"، والإيمان بالله ورسله، يدخل فيه أصول الدين وفروعه،"ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء"، أي