، وَأَمَّا أُمُّهُ فَهِيَ صِدِّيقَةٌ مِنْ فُضْلَيَاتِ النِّسَاءِ، فَمَرْتَبَتُهَا فِي الْفَضْلِ وَالْكَمَالِ تَلِي مَرْتَبَةَ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَمَّا حَقِيقَتُهُمَا الشَّخْصِيَّةُ وَالنَّوْعِيَّةُ فَهِيَ مُسَاوِيَةٌ لِحَقِيقَةِ غَيْرِهِمَا مِنْ أَفْرَادِ نَوْعِهِمَا وَجِنْسِهِمَا، بِدَلِيلِ أَنَّهُمَا كَانَا يَاكُلَانِ الطَّعَامَ، وَكُلُّ مَنْ يَاكُلُ الطَّعَامَ فَهُوَ مُفْتَقِرٌ إِلَى مَا يُقِيمُ بِنْيَتَهُ وَيَمُدُّ حَيَاتَهُ ; لِئَلَّا يَنْحَلَّ بَدَنُهُ وَتَضْعُفَ قُوَاهُ، فَيَهْلَكَ، دَعْ مَا يَسْتَلْزِمُهُ أَكْلُ الطَّعَامِ مِنَ الْحَاجَةِ إِلَى دَفْعِ الْفَضَلَاتِ، وَكُلُّ مُفْتَقِرٍ إِلَى غَيْرِهِ فَهُوَ مُمْكِنٌ، مُسَاوٍ لِسَائِرِ الْمُمْكِنَاتِ الْمَخْلُوقَةِ فِي حَاجَتِهَا إِلَى غَيْرِهَا، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ رَبًّا خَالِقًا، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ رَبًّا مَعْبُودًا، وَأَنَّ مِنْ سَفَهِ الْإِنْسَانِ لِنَفْسِهِ وَاحْتِقَارِهِ لِجِنْسِهِ أَنْ يَرْفَعَ بَعْضَ الْمَخْلُوقَاتِ الْمُسَاوِيَةِ لَهُ فِي مَاهِيَّتِهِ وَمُشَخِّصَاتِهِ بِمَزِيَّةٍ عَرَضِيَّةٍ لَهَا، فَيَجْعَلَ نَفْسَهُ لَهَا عَبْدًا، وَيُسَمِّيَ مَا يُفْتَتَنُ بِخُصُوصِيَّتِهِ مِنْهَا إِلَهًا أَوْ رَبًّا) (1) .
وقد جاءت نصوص الأناجيل مثبتتة لذلك (في الباب السابع من إنجيل لوقا هكذا:(جاء يوحنا المعمدان لا يأكل خبزًا ولا يشرب خمرًا فتقولون به شيطان وجاء ابن الإنسان يأكل ويشرب فتقولون هو ذا إنسان أكول وشريب خمر محب للعشارين والخطاة وسأله واحد من الفريسيين أن يأكل معه فدخل بيت الفريسي واتكأ) (2) فهذه النصوص مؤيدة لما جاء في القرآن الكريم من أن المسيح عليه السلام كان يأكل الطعام هو وأمه
ومن خلال كلام الشيخ رشيد السابق يتبين لنا أن أكل المسيح وأمه للطعام يدل دلالة واضحة على بشرية المسيح وذلك لما يلي:
-أن حاجة المسيح وأمه إلى الطعام دليل على بشريتها إذ أن الجوع من صفات ابن الإنسان وليس من صفات الخالق تعالى فالإله الحق غني عن كل ما يحتاج إليه عبيده.
-أن أكل الطعام يلزم منه إخراج فضلات ذلك الطعام وهذا مما يتنزه عنه الخالق تعالى يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (فذكر سبحانه وتعالى أنهما كانا يأكلان الطعام لأن ذلك من
(1) تفسير المنار 6/ 401.
(2) لوقا 7/ 33 - 37.