سلك الشيخ رشيد رضا في إثبات نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مسالك صحيحة, أيدها بالبراهين العقلية والحجج السمعية, فبين أولا: حاجة العالم إلى بعثة محمد صلى الله عليه وسلم, وبين ما كانت عليه الأمم من التخبط في دياجير الظلام ومهامه الضلال, وهذا البيان من الأهمية بمكان, حيث إن مجادلي النصارى ينعقون بين الفينة والأخرى بعدم الحاجة إلى بعثة نبينا صلى الله عليه وسلم.
ثم بين الشيخ رشيد دلائل صدق هذه النبوة, وأنه لا تثبت نبوة نبي قبله مالم تثبت نبوته بهذه الأدلة, وهو ما سأعرضه في المطالب الآتية:
الفرع الأول: بيان الحاجة إلى بعثته صلى الله عليه وسلم
بين الشيخ رشيد أن العالم كان في أمس الحاجة إلى بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم, وذكر أن معرفة تلك الحاجة (يتوقف على معرفة تاريخ الأمم قبل الإسلام لا سيما تاريخ أهل الكتاب, الذين يدعون أن في كتبهم ما يغني عن هداية الإسلام وإصلاحه) (1) .
ويستند الشيخ رشيد إلى عبارة شيخه محمد عبده في وصف هذه الحاجة فيقول: (كيف كانت حاجة سكان الأرض خاصة في زمن البعثة المحمدية, لنبين كيف كانت حاجة سكان الأرض ماسة إلى قارعة تهز عروش الملوك, وتزلزل قواعد سلطانهم الغاشم, وتخفض من أبصارهم المعقودة بعنان السماء إلى من دونهم من رعاياهم الضعفاء، وإلى نار تنقض من سماء الحق على أُدُم النفس البشرية لتأكل ما اعشوشبت به الأباطيل القاتلة للعقول، وصيحة فصحى تُزعج الغافلين وتُرجع بالباب الذاهلين، وتنبه المرءوسين إلى أنهم ليسوا بأبعد عن البشرية من الرؤساء الظالمين والهداة الضالين، والقادة الغادرين, وبالجملة تئوب
(1) مجلة المنار 5/ 329.