عرفنا فيما تقدم أن موقف النصارى من الأنبياء على العموم موقف متأرجح بين الغلو والتفريط وذلك بأنهم نسبوا عظائم الذنوب لأنبياء الله تعالى سوى المسيح ورموهم بالفواحش والظلم والسرقة وفرطوا في حقهم إفراطا كبيرا وغمطوهم حقهم وأما المسيح فقد أنزلوه فوق منزلته وجعلوه إلها وقالوا بأنه ابن الله وثالث ثلاثة ونسبوا إليه العصمة من الذنوب بل هو الفادي لجميع البشر من الذنوب ولا سيما الخطيئة الموروثة وغلوا فيه غلوا عظيما وفي المقابل نجد آذوه وكفروا بنبوته وسعوا في قتله وفرطوا في الإيمان به -كما تقدم- (1) .
وقد بين الشيخ رشيد أن الإسلام جاء بأسس وثوابت وأمر المسلمين بالسير عليها في إيمانهم بأولئك الأطهار أمام هذا الوضع القائم بين الإفراط والتفريط وهي كما يلي:
أولا: أن الإسلام جاء بين الإفراط والتفريط والغلو والتقصير:
فقد بين الشيخ رشيد رضا أن الدين الإسلامي جاء بمقت غلو النصارى فقال (وكما غلا النصارى في الرسل ومن دونهم من الصالحين بجعلهم وكلاء الله سبحانه وتعالى في الهداية والجزاء كالمغفرة والرحمة والعقاب غلوا فيهم بزعمهم أنهم يعلمون الغيب وأنهم يتصرفون في أمور الأرض فيوسعون على الناس الرزق ويقضون الحاجات بقوة غيبية إلهية ... وقد بين الله تعالى على لسان خاتم رسله فساد هذا الغلو وبطلان هذه العقائد وصرح بأن الرسل كسائر البشر في سنن الله تعالى فيهم إلا أنه ميزهم بالوحي وعصمهم من الخطأ في تبليغ ما أمرهم بتبليغه قولا وعملا ومما يحول دون التأسي فيهم وحسبك ... قوله تعالى في إثر قوله {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} (2) {قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ (3) } (4) .
(1) انظر مبحث"بيان عقيدة الصلب والفداء"ص. .
(2) سورة الكهف آية 56.
(3) سورة الأنعام آية 50.
(4) تفسير المنار 8/ 244.