إن من الأمور المتحتمة على الناس أن يعيشوا جماعات، واقتضى عيشهم المجتمعي - من أجل أن يستمر ويزدهر - وجود أعراف وقوانين وقيم توضح وتحدد ما هو عدل وما هو ظلم، ما هو حق وما هو باطل، ما هو خير وما هو شر. وهذا على أهميته لا يكفي ما لم توجد سلطة عادلة يحتكمون إليها في فض ما ينجم بينهم من نزاعات، فتحجز الظالم وتقتص منه بقدر إساءته وتنتصف للمظلوم بقدر ما ناله من ظلم وفق معايير عادلة، وهو ما ينبغي أن يكون، حتى إذا لم يكن وتخلف الواقع عن بلوغ هذا المقصد كاملا، يظل العدل هو غاية القانون وأساسه، وتظل شرعية السلطة تتحدد بقدر ما تحقق من المقصد الأصلي لاجتماع الناس، وفي كل الأحوال لا بد للناس من سلطة ولو كانت غير عادلة حتى تستقيم أمور الناس فما بالك بالسلطة العادلة النقية التي تجعل القوي ضعيفا حتى يؤخذ الحق منه وتجعل الضعيف قويا حتى يؤخذ الحق له
إنها تنشر العدل والأمان بين الناس فيردع الظالم ويعاقب الجاني وينصر المظلوم
وهذا هو ماجاء به الدين الإسلامي الحنيف الذي جعل السلطة السياسية منفذة للتشريع الإسلامي الحكيم وهذا مما تقتضيه الحكمة إذ أن الأحكام العادلة لا تنفذ دون سلطة حاكمة فهناك ترابط وثيق بين السلطة السياسية وقوانين التشريع في الإسلام
ولكن أعداء الإسلام لم يرق لهم ذلك فسعوا سعيا حثيثا غير مشكورين عليه لفك السلطتين عن بعضهما البعض وأوردوا كثيرا من المطاعن والعيوب التي ألصقوها بالدين الإسلامي جراء ترابط السلطتين
يقول الشيخ رشيد: (مسألة الفصل بين السلطة الدينية والسلطة السياسة وهي أهم المسائل التي تطلبها أوربا من المسلمين، والجرائد التي تدعو الشرقيين أو المسلمين إلى مدنية أوربا تجتهد في في إقامة الحجج على أن النجاح موقوف على هذا الفصل) (1) .
(1) مجلة المنار 3/ 340.