المطلب الأول: موقف النصارى من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم
بعث الله نبيه ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وأنزل عليه القرآن مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه, وكانت نبوته آخر النبوات, وشريعته آخر الشرائع, وكانت رسالته إلى الناس كافة, قال تعالى: {قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} (1) وهذا النبي الأمي الخاتم لأنبياء الله قد بشرت به الكتب السابقة, فكان أهل الكتاب ينتظرون مبعثه, تصديقا لما جاء في أسفارهم عن نبي الله موسى عليه السلام قوله: (الرب إلهكم سيقيم لكم من إخوتكم نبيا مثلي فاسمعوا له في كل ما يقوله لكم وكل نفس لا تسمع لذلك النبي تهلك من بين الشعب وجميع الأنبياء من صموئيل ومن جاء بعده ممن تكلم فإنما أخبروا عن هذه الأيام) (2) .
وبدلا من إتباع أهل الكتاب لهذا النبي الأمي ناصبوه العداء منذ مبعثه, وناصبوا شريعته الحقد والبغضاء, فكذبوا بها أيما تكذيب, بل وأوردوا كثيرا من المطاعن على شريعته وكثيرا من الشبهات على رسالته, فلم يغمض لهم جفن منذ بزوغ فجر الإسلام إلى يومنا هذا (3) وأضحوا يفتئتون الأكاذيب ويلصقون التهم بصاحب تلك الرسالة الخالدة وبشريعته الغراء, فمن ذلك ما بين بطلانه الشيخ رشيد رضا في رده عليهم في طعنهم في شخص النبي صلى الله عليه وسلم, مثل تعدد زوجاته وكذلك طعنهم في رسالته, مثل شبهة الوحي النفسي - كما سيأتي -
(1) سورة الأعراف آية 158.
(2) أعمال الرسل 3/ 22 - 24.
(3) انظر ما نقله عنهم المهتدي سيف الرحمن رحمة الله الفاروق (اللورد هدلي) في كتابه إيقاض الغرب للإسلام ص 94 - 95.