فهرس الكتاب

الصفحة 428 من 1074

المبحث الخامس: عقيدة النصارى في اليوم الآخر

إن الاعتقاد بخلود النفس البشرية بعد الموت, سمة بارزة في الديانات القديمة البائدة, وهي سمة عامة وقاعدة مشتركة, بين الأمم كلها.

فالدراسات التي اهتمت بمقارنة الأديان أثبتت أنه وجد - حتى عند بعض القبائل المنعزلة - حس ديني يدفعهم إلى المناقشة والتفكير في الأسئلة: لماذا ولدنا؟ وما هو الهدف من حياتنا؟ وأين سنذهب بعد الموت؟ (1) .

وهذا ما أشار إليه الشيخ رشيد رضا, مبينا أن الإيمان بالبعث بعد الموت أمر مرتكز في أصل فطرة الإنسان, فقال: (الاعتقاد بأن للبشر أرواحًا تبقى بعد الموت، ولها حياة أخرى بعد هذه الحياة الدنيا هو الأساس الذي قام عليه بناء الدين المطلق، فلولاه لم يكن للدين معنى ولا فائدة، بل لم يوجد أصلًا، وكل فائدة أفادها الدين للبشر من وثنيين وموحدين فمصدرها هذا الاعتقاد ما علّم قدماء المصريين صناعة البناء، وما يتبعها ويلزمها من الهندسة وجر الأثقال، حتى بنوا مثل الأهرام وغير ذلك من العلوم والصناعات إلا الاعتقاد بخلود النفس، وكذلك قل في الكلدانيين والصينيين والهنود واليونانيين والرومانيين والفرس والإسرائيليين والعرب هذا الاعتقاد فطري في البشر، ولذلك وجد في كل جيل من أجيالهم في كل طور من أطوارهم فليس هو من استنباط الأفكار، ولا من التخيلات والتصورات فتتحكم فيه الأنظار) (2) .

وبين أن تعليل ذلك هو (أن الناس يشعرون بأن لهم أرواحًا، وأن هذه الأرواح هي التي بها الحياة، ومنهم من أُلهم أن هذه الأرواح خالدة، ومنهم من عرف ذلك بالاستدلال، وأقربه أن العدم المحض محال لا يتصوره العقل، فإذا كان الجسم يبقى ببقاء عناصره بعد التحلل، فالروح الذي به حياة الجسم ونظامه وحفظه ما دام متصلًا به من الانحلال أولى بالبقاء الأكمل

(1) انظر يوم القيامة بين الإسلام واليهودية والمسيحية د/ فرج الله عبد الباري ص 21.

(2) مجلة المنار 4/ 9.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت