بريء من الألوهية ولو كان إلها لما اجترأ عليه الشيطان بمثل ذلك القول وفي جوابه له اعتراف لله تعالى بأنه هو الإله لا يسجد أحد إلا له تبارك وتعالى) (1) .
بالإضافة إلى أن إبليس أراد أن يفتن المسيح عليه السلام بالدنيا وذلك عندما أراه جميع ممالك المسكونة ووعده بإعطائها له بشرط السجود له وهذا فيه دليل آخر على نبوة المسيح وعبوديته لله وبشريته فإذا كان المسيح هو الله رب العالمين - بزعمهم - فكيف يعده إبليس بأنه يعطيه ممالك هي له في الأساس ثم إن المسيح لو كان هو الإله لما تأخر عن إجابته بأن هذه الممالك هي له وذلك لتكبيته وبيان عجزه.
تبين فيما سبق (2) أن النصارى يعتقدون أن المسيح الذي هو الأقنوم الثاني من الأقانيم الإلهية علق على خشبة الصليب وصلب بأيدي أعداءه.
وقد بين الشيخ رشيد رضا أن الأناجيل تذكر أن المسيح كان يبتهل إلى الله تعالى ويستغيث به أن ينجيه منهم قبل أن يمسكوا به ولكن الله تعالى لم يستجب دعاءه وفي كل موضع من مواضع تلك القصة دليل بشرية المسيح عليه السلام ونفي ألوهيته فقال: َ (ومِنْ غَرِيبِ تَهَافُتِ هَؤُلَاءِ النَّاسِ أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ شَرَّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْإِهْلَاكِ، وَهُوَ الصَّلْبُ نَزَلَ بِالْمَسِيحِ - الَّذِي هُوَ الْكَلِمَةُ وَاللهُ هُوَ الْكَلِمَةُ بِزَعْمِهِمْ - وَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَدْفَعَهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَأَنَّهُ اسْتَغَاثَ بِرَبِّهِ خَائِفًا وَجِلًا ضَارِعًا خَاضِعًا ; لِيَصْرِفَ عَنْهُ ذَلِكَ الْكَاسَ، فَلَمْ يُجِبْهُ إِلَى مَا طَلَبَ! وَهُمْ يُكَابِرُونَ أَنْفُسَهُمْ فِي دَفْعِ هَذَا التَّهَافُتِ بِمِثْلِ قَوْلِهِمْ: إِنَّهُ كَانَ لَهُ طَبِيعَتَانِ وَمَشِيئَتَانِ ; ثِنْتَانِ مِنْهُمَا إِلَهِيَّتَانِ وَثِنْتَانِ بَشَرِيَّتَانِ، وَلَيْتَ شِعْرِي، إِذَا كَانَ هَذَا مُمْكِنًا؛ فَهَلْ يُمْكِنُ مَعَهُ أَنْ يَجْهَلَ الْمَسِيحُ بِطَبِيعَتِهِ الْبَشَرِيَّةِ طَبِيعَتَهُ الْإِلَهِيَّةَ، فَيَعْتَرِضُ عَلَيْهَا بِمِثْلِ قَوْلِهِمْ عَنْهُ فِي إِنْجِيلِ مَتَّى"إِلَهَيْ إِلَهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي"(3) وَيَسْتَنْجِدُهَا غَيْرَ عَالِمٍ بِمَا يُمْكِنُ وَمَا لَا يُمْكِنُ لَهَا بِمِثْلِ مَا قَالُوهُ عَنْهُ
(1) تحفة الأريب في الرد على عباد الصليب ص 191.
(2) في مبحث عقيدة النصارى في صلب المسيح ص من هذا البحث.
(3) متى 37/ 46.