بين الشيخ رشيد رضا أن الشهادة للنبي صلى الله عليه وسلم بالوحي والنبوة دليل على صدق نبوته (1) ,وهذا الدليل قد جاء به الشرع, وأيده العقل, فأما الشرع فقول الله تعالى: {لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ} (2) وقوله تعالى: {قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} (3) وأما العقل: فإنه يقول بأن الله تعالى سميع بصير - وهذا باتفاق - ,فكان يرى نبينا صلى الله عليه وسلم ويسمع دعواه التي أقام عليها ثلاثا وعشرين سنة, فإما أنه كان يعلم أولا يعلم, وفي الثاني نسبته تعالى إلى الجهل, أو كان يعلم ولا يقدر على تغييره وفيه نسبته تعالى إلى العجز المنافي للربوبية, أو كان قادرا ومع ذلك أعزه ونصره - أي وهو كاذب - وفي هذا نسبته تعالى إلى الظلم والسفه الذي لا يليق بالعقلاء, فكيف برب الأرض والسماء, وكيف يكون ذلك ,وهو يشهد بإقراره على دعوته, ويؤيده بكلامه, فلا بد أن يكون عالما قادرا شاهدا بالحق, ولا بد أن يكون محمد نبيا صادقا (4) .
ودليل الشهادة دليل معتمد عند أهل الكتاب على صدق المسيح عليه السلام, (أي أنه رسول الله بشهادة يوحنا المعمدان, وبشهادة الأب له بالآيات التي صنعها على يده والنبوءات التي تمت به, ومن ثم حق له أن يطلب تصديق دعواه بمجرد قوله) (5) وقد جاء ما يدل على اعتبار تلك الشهادة من أقوال المسيح, حيث يقول لليهود: (وفي شريعتكم أن شهادة شاهدين صحيحة فأنا أشهد لنفسي والآب الذي أرسلني يشهد لي) (6) بل ورد أيضا أن شهادته بنفسه
(1) تفسير المنار 7/ 279.
(2) سورة النساء آية 66.
(3) سورة الإسراء آية 96.
(4) انظر تقرير هذا الدليل في هداية الحيارى لابن القيم ص 384.
(5) الكنز الجليل في تفسير الإنجيل د/وليم أدي 3/ 85 و 135.
(6) يوحنا 8/ 17 - 18.