فهرس الكتاب
الجهاد في الإسلام إنما جاء تشريعه متدرجًا تحقيقًا للحكمة الربانية في مواجهة الواقع الذي عاصره النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بأحكام مرحلية، تواجَه كلُّ مرحلة بما تتطلبها وبما يتفق مع قدرة المسلمين وعلاقتهم بالأعداء؛ فقد نزل الأمر بالجهاد مرتبًا متدرجًا وفق خطوات الإعداد التربوي لهذه الأمة التي حمَّلها الله تعالى مسؤولية إبلاغ هذا الدين للعالمين. فقد بدأ نزول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أمره الله تعالى بالدعاء إلى الدين بالوعظ والمجادلة بالتي هي أحسن، فكان القتال محظورًا قبل الهجرة، ثم أذن الله لنبيه بالهجرة إلى المدينة وتأسيس المجتمع الجديد وأمره بالصبر والكفّ، ثم فرض القتال إذا كانت البداية من الكفار، دفعًا لعدوانهم، وكان قبلها مباشرة مأذونًا فيه فحسب، ثم أمر الله تعالى بقتال المشركين في بعض الأحوال والأزمنة. وأخيرًا جاء الأمر بالقتال للمشركين كافة.
فكانت هذه هي المرحلة الأخيرة التي استقرَّ عليها أمر الجهاد (1) .وهذه المرحلة الأخيرة لم تكن لإكراه أهل الكتاب على الإسلام, بل هي لفسح المجال أمام الدعوة الإسلامية لإزالة أنظمة الجور واستبدالها بأنظمة العدل, لتحقيق المقصد الأسمى من مقاصد الجهاد وهو الدعوة إلى الإسلام, ثم بعد ذلك يترك الأمر لاعتناق الإسلام من عدمه راجع إلى رغبة كل إنسان على أن يعطي الجزية من لم يدخل فيه, يقول ابن قدامة: (ولا نعلم خلافًا بين أهل العلم ... في قبول الجزية منهم وإقرارهم على دينهم) (2) .
(1) انظر: زاد المعاد، لابن القيم: 3/ 70.
(2) المغني 13/ 31.