فهرس الكتاب

الصفحة 563 من 1074

بهم إلى رشد يقيم الإنسان على الطريق التي سنها الله له {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ} (1) ليبلغ بسلوكه كماله، ويصل على نهجها إلى ما أُعِدَّ في الدارين له) (2) .

ثم بين حال بعض الأمم التي كان لها في عصرها الحول والقول والتي كانت تتخبط في دياجير الظلام فقال: (وكانت دولتا العالم دولة الفرس في الشرق ودولة الرومان في الغرب في تنازع وتجالد مستمر، دماء بين العالمين مسفوكة، وقوى منهوكة، وأموال هالكة وظلم من الإحن حالكة، ومع ذلك فقد كان الزهو والترف والإسراف والفخفخة والتفنن في الملاذ بالغة حد ما لا يوصف في قصور السلاطين والأمراء والقواد ورؤساء الأديان من كل أمة وكان شر هذه الطبقة من الأمم لا يقف عند حد فزادوا في الضرائب وبالغوا في فرض الإتاوات حتى أثقلوا ظهور الرعية بمطالبهم وأتوا على ما في أيديها من ثمرات أعمالها، وانحصر سلطان القوي في اختطاف ما بيد الضعيف، وفكر العاقل في الاحتيال لسلب الغافل، وتبع ذلك أن استولى على تلك الشعوب ضروبٌ من الفقر والذل والاستكانة والخوف والاضطرابات لفقد الأمن على الأرواح والأموال ... وكان لهم في المشارب الوثنية ينابيع لا تنضب، ومدد لا ينفد عبيد أزلاء حيارى في جهالة عمياء، اللهم إلا بعض شوارد من بقايا الحكمة الماضية، والشرائع السابقة أوت إلى بعض الأذهان ومعها مقت الحاضر، ونقص العلم بالغابر، ثارت الشبهات على أصول العقائد وفروعها بما انقلب من الوضع، وانعكس من الطبع فكان يرى الدنس في مظنة الطهارة، والشره حيث تنتظر القناعة، والدعارة حيث ترجى السلامة والسلام، مع قصور النظر عن معرفة السبب وانصرافه لأول وهلة إلى أن مصدر كل ذلك هو الدين. فاستولى الاضطراب على المدارك، وذهب بالناس مذهب الفوضى في العقل والشريعة معًا، وظهرت مذاهب الإباحين

(1) سورة الإنسان آية3.

(2) مجلة المنار 5/ 330.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت