والدهريين في شعوب متعددة وكان ذلك ويلًا عليها فوق ما رُزِئَتْ به من سائر الخطوب) (1) .
وأما حال العرب فلم يكن بعيدا عن حال تلك الأمم فقد بلغ الحضيض في تلك العصور, يقول الشيخ رشيد: (وكانت الأمة العربية قبائل متخالفة في النزعات، خاضعة للشهوات، فخر كل قبيلة في قتال أختها وسفك دماء أبطالها، وسبي نسائها وسلب أموالها، تسوقها المطامع إلى المعامع، ويزين لها السيئات فساد الاعتقادات، وقد بلغ العرب من سخافة العقل حدًا صنعوا أصنامهم من الحلوى ثم عبدوها، فلما جاعوا أكلوها، وبلغوا من تضعضع الأخلاق وهنًا قتلوا فيه بناتهم تخلصًا من عار حياتهن، أو تنصلًا من نفقات معيشتهن، وبلغ الفحش منهم مبلغًا لم يعد للعفاف قيمته، وبالجملة فكانت رُبُط النظام الاجتماعي قد تراخت عقدها في كل أمة، وانفصمت عراها عند كل طائفة) (2) .
فهذه أهم الحضارات السائدة في تلك العصور كانت تتخبط في الغي والجهالة لذلك كان (من رحمة الله بأولئك الأقوام أن يؤدبهم برجل منهم يوحي إليه رسالته، ويمنحه عنايته ويمده من القوة بما يتمكن معه من كشف تلك الغمم، التي أظلت رءوس جميع الأمم) (3) .
وقد أورد الشيخ رشيد اعترضا مهما على تقر يره لحاجة العالم لبعثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ويجيب عليه فيقول: (فإذا قيل: إنه كان في الدنيا دينان سماويان, أي دين اليهود ودين النصارى, وكتابان إلهيان, وهما التوارة والإنجيل, فكان يغني عن بعثة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم إلهام الله تعالى لرؤساء الدينين وحملة الكتابين, أن يقيما أصولهما ويسيرا على صراطهما ويَدْعُوا الناس إلى ذلك؟.
نقول في الجواب: إن دين اليهود كان خاصًّا بشعب إسرائيل وهم المخاطبون بالتوراة دون سواهم؛ لعلم الله تعالى أن هذا كتاب يصلح لهدايتهم وحدهم في الزمن الذي أنزل
(1) مجلة المنار 5/ 532.
(2) مجلة المنار 5/ 333.
(3) مجلة المنار 6/ 177.