قال الشيخ المحدث العلامة أحمد شاكر رحمه الله:"نريد أن نحارب النفاق والمجلات الكاذبة، التي اصطنعها كتّاب هذا العصر أو أكثرهم فيما يكتبون وينصحون! يظنون أن هذا من حسن السياسة، ومن الدعوة إلى الحق (بالحكمة والموعظة الحسنة) اللتين أمر الله بهما! وما كان هذا منهما قط، وإنما هو الضعف والاستخذاء والملق والحرص على عرض الحياة الدنيا".اهـ [كلمة حق ص12] .
فكتب الرجل ومؤلفاته الكثيرة، لا تدل على علمه بالضرورة! فضلًا عن أن تتخذ كدليل على صحة طريقه ومسلكه، أو صلاحه ونسكه!
قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله:"رأينا خلقًا كثيرًا يحرصون على جمع الكتب، فينفقون أعمارَهم في كتابتها، وكدأب أهل الحديث ينفقون الأعمار في النَّسخ والسماع إلى آخر العمر، ثم ينقسمون؛ فمنهم من يتشاغل بالحديث وعلمه وتصحيحه، ولعلَّه لا يفهم جواب حادثة، ولعلَّه عنده لحديث: (أسلم سالمها الله) مائة طريق."
وقد حُكي لي عن بعض أصحاب الحديث أنه سمع جُزء ابن عرفة عن مائة شيخ، وأن عنده سبعين نسخة، ومنهم من يجمع الكتب، ويسمعها، ولا يدري ما فيها؛ لا من حيث صحتها، ولا من فهم معناها!".اهـ [صيد الخاطر ص115] ."
ولله در الخطيئة حين قال في أمثال هؤلاء:
زواملُ للأخبارِ لا علمَ عندها ... بمُثقِلها إلا كعلم الأباعرِ! ...
لعمركَ ما يدري البعيرُ إذا غدا ... بأوساقِهِ أو رَاحَ ما في الغرائرِ؟! [1]
115 - (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ(61 ) ) .
لو كان شكر هذه النعم باللسان فقط، لما ضل أحد من الناس قط! ولكن الشكر له تكاليف، وأكثر الناس يميلون للتخفيف!
قال الإمام الغزالي رحمه الله:"وعلى الجملة فلا يميل أكثر الخلق إلا إلى الأسهل، والأوفق لطباعهم، فإن الحق: مرّ، والوقوف عليه: صعب، وإدراكه: شديد، وطريقه: مستوعر".اهـ [إحياء علوم الدين 1/ 75] .
116 - (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ(82 ) ) .
فلا ينخدع المسلم بضلال أكثر الناس، ولا يرهب كثرتهم وقوتهم والباس، قال أبو الطيب المتنبي:
غيري بأكثرِ هذا الناسِ يَنْخَدِعُ ... إن قاتلوا جَبُنوا أو حدثوا شجُعُوا [2]
117 - (بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ(4 ) ) .
قال الإمام الطبري رحمه الله:"وقوله: (فأعرض أكثرهم) يقول تعالى ذكره: فاستكبر عن الإصغاء له وتدبر ما فيه من حجج الله وأعرض عنه أكثر هؤلاء القوم الذين أنزل هذا القرآن بشيرا لهم ونذيرا وهم قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم (فهم لا يسمعون) يقول: فهم لا يصغون له فيسمعوه إعراضا عنه واستكبارا".اهـ
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما الناس كإبل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة) ، وفي رواية: (تجدون الناس كإبل مائة لا يجد الرجل فيها راحلة) [متفق عليه] .
(1) قال الله تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(5 ) ) [الجمعة] . قال العلامة ابن عاشور رحمه الله:"قد ضرب الله لهؤلاء مثلًا بحال حمار يحمل أسفارًا لا حظّ له منها إلا الحمل دون علم ولا فهم".اهـ [التحرير والتنوير 28/ 191] .
(2) ديوان أبي الطيب المتنبي ص286.