عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن من أشراط الساعة أن يُرفع العلم، ويثبُت الجهل، ويُشرب الخمر، ويظهر الزنا) [أخرجه البخاري] .
وعنه أيضًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من أشراط الساعة أن يقل العلم، ويظهر الجهل، ويظهر الزنا، وتكثُر النساء، ويقل الرجال حتى يكون لخمسين امرأة القيِّم الواحد) [أخرجه البخاري] .
وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جُهّالًا، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا) [متفق عليه] .
وقد ذكر الإمام البيهقي المتوفى سنة 458 هـ في كتابه"دلائل النبوة"6/ 543 حديث أنس الآنف: (إن من أشراط الساعة أن يُرفع العلم ... ) الحديث، في باب"ما جاء في إخباره صلى الله عليه وسلم بذهاب العلم وظهور الجهل"وقال تعقيبًا عليه:"فذهب ذلك في زماننا هذا من أكثر البلدان، واستولى على أهلها الجهل، وظهَر سائر ما روي في ذلك الخبر".اهـ فإذا كان هذا هو وصف البيهقي رحمه الله لعصره، فكيف بزماننا وأهله؟!
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:"فكلما مات عالمٌ في بلد ولم يخلُفه غيره نقص العلم من تلك البلدة".اهـ [فتح الباري 13/ 17] .
وذكر أبو سليمان الخطابي رحمه الله حديث قبض العلم في كتابه (العزلة) وقال فيه:"قد أعلَمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن آفة العلم ذَهَاب أهله وانتحال الجهال وترؤسهم على الناس باسمه وحَذَّر الناس أن يقتدوا بمن كان من أهل هذه الصفة، وأخبر أنهم ضلال مُضلون - ثم روى الخطابي بسنده - عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن من أشراط الساعة أن يُرفع العلمُ ويظهر الجهل) - وقد رواه البخاري كما تقدم- قال الخطابي: يريد والله أعلم ظهور الجُهال المنتحلين للعلم المترئسين على الناس به قبل أن يتفقّهوا في الدين ويرسخوا في علمه".اهـ [1]
وقال الإمام ابن الجوزي رحمه الله عن أولئك الجهال، المتصدرين للكلام والمقال:"ترى منهم من يتصدر ويفتقر الزمان إلى تصدره للرواية! فيمدُّ يده إلى ما ليس من شُغله؛ فإن أفتى أخطأ، وإن تكلمَ في الأصول خلط".اهـ [صيد الخاطر ص115 - 116] .
وقد قال الإمام أبو الحسن علي بن أحمد المعروف بالقالي رحمه الله:
تصدر للتدريس كل مهوس ... بليد تسمى بالفقيه المدرسِ! ...
فحق لأهل العلم أن يتمثلوا ... ببيتٍ قديم شاع في كل مجلسِ ...
لقد هزلت حتى بدا من هزلها ... كلاها وحتى سامها كل مفلس! [2]
ويظهر هذا جليًا في زمن ظهور الباطل وجولته ودولته، لاسيما وأن بيده الإعلام المرئي والسمعي والمقروء برمته!
"ولكن العلم لا يُرفع بالكلية من الأرض مادامت الطائفة المنصورة باقية وذلك حتى هبوب الريح التي تقبض أرواح المؤمنين. وذلك بعد بدء العلامات الكبرى كخروج الدجال ومقتله، ونزول عيسى عليه السلام وموته، وخروج يأجوج ومأجوج ومهلكهم، وطلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة وبهما يُختم على كل قلب بما فيه، ثم تهب تلك الريح فتقبض أرواح المؤمنين، ويبقى شرار الخلق عليهم تقوم الساعة، كما دلت على ذلك جملة أحاديث أشراط الساعة. وكأن العلم والإيمان من لوازم بقاء الدنيا، فإذا قبض العلم والإيمان قامت القيامة. نسأل الله تعالى لنا ولسائر المسلمين أن يثبتنا على دينه وأن يختم لنا بصالح الأعمال وأن يجعل الجنة مأوانا بغير مناقشة حساب ولا سابقة عذاب مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، ذلك الفضل من الله، إنه على كل شيء قدير، آمين.".اهـ [الجامع في طلب العلم الشريف ص20] .
قال الإمام القرطبي رحمه الله:"النفر: الرهط وهو ما دون العشرة وأراد هاهنا الأتباع والخدم والولد".اهـ وهكذا أهل الشرور، في كل العصور والدهور؛ يحتجون على صحة منهجهم الفاسد، ورأيهم الكاسد، بكثرة أتباعهم، وأنصارهم وجماعتهم!
(1) "كتاب العزلة"ص 96.
(2) انظر: الكامل في التاريخ لابن الأثير 8/ 335.