وقال العلامة ابن القيم رحمه الله:"وأهل هذه الغربة، هم أهل الله حقًّا فإنهم لم يأووا إلى غير الله، ولم ينتسبوا إلى غير رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يدعوا إلى غير ما جاء به، وهم الذين فارقوا النَّاس أحوج ما كانوا إليهم. فإذا انطلق الناسُ يوم القيامةِ مع آلهتهم، بقوا في مكانهم، فيقال لهم: (ألا تنطلقون حيث انطلق الناس؟ فيقولون: فارقنا الناس، ونحن أحوج إليهم منّا اليوم، وإنا ننتظر ربنا الذي كنا نعبده) ، فهذه الغربة لا وحشة على صاحبها، بل هو آنس ما يكون إذا استوحش الناس. وأشد ما تكون وحشته إذا استأنسوا. فوليه الله ورسوله والذين آمنوا، وإن عاداه أكثر الناس وجفوه".اهـ [مدارج السالكين 3/ 206] .
عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تكونوا إمعة تقولون: إن أحسن الناس أحسنا وإن ظلموا ظلمنا ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساؤوا فلا تظلموا) . رواه الترمذي، وهو ضعيف. ولكن يصح وقفه على ابن مسعود رضي الله عنه.
وقال الإمام ابن بطة رحمه الله:"والناس في زماننا هذا أسراب كالطير، يتبع بعضهم بعضًا، لو ظهر لهم من يدعي النبوة مع علمهم بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء أو من يدعي الربوبية: لوجد على ذلك أتباعًا وأشياعًا".اهـ [الإبانة 1/ 272] .
قلت: رحم الله الإمام ابن بطة، فإنا على فراسته نغبطه! إذ قد ظهر في زماننا هذا الأمر الفظيع الوضيع، فقام من يدعي الربوبية في الحكم والتشريع، ووجد على ذلك أتباعًا وأشياعًا، وتأييدًا مذاعًا مشاعًا ..
63 - (يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ(83 ) ) .
فإنكار النعم والأعطيات، خُلق جاءت بذمه الآيات، فكيف بإنكار المعروف واجتنابه، واستمراء المنكر واقتحام أبوابه، وتعاطي مفاتحه وأسبابه؟!
نقل محمد بن وضاح عن بعض من مضى أنه قال:"كم من أمر هو اليوم معروف عند كثر من الناس، كان منكرًا عند من مضى، وكم من متحبب إلى الله تعالى بما يبغضه الله، ومتقرب إلى الله بما يبعده الله منه، وكل بدعة عليها زينة وبهجة".اهـ [البدع والنهي عنها لابن وضاح] .