بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله سامع السر والنجوى، وكاشف الضر والبلوى، ومغيث المتلهف قبل الشكوى، ومبلغ المؤمل غاية أمله القصوى، يسوق الرزق في البر إلى الذر والأروى، كم أعطش عدله وكم أغبق فضله وأروى، مد أمد الحلم عن فرعون وقد أضل وأغوى، إلى أن غرق يوم اليم أين المنقلب والمثوى؟! كم آية صرحت وكم زاجرة لوحت فلم ينتفع بالصريح ولا الفحوى، بليت جوارحه وبقيت مقابحه تروى، [1] ويبس زرعه فخلا ربعه وأقوى، وكم أهلكت الذنوب من كان أكثر منه وأقوى، (وقَومَ نُوحٍ مِن قَبلِ إنَّهُم كانُوا هُم أظلَمَ وَأَطغَى، والمُؤتِفكَة أهوى) .
والصلاة والسلام على من جاءنا بالبر والتقوى، وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنته وترك إتباع الهوى، أما بعد:
فإن من أعظم ما يصد الشبيبة عن اللحاق بركب الحق، أنهم يجدون الكثرة الكاثرة على خلاف هذا الحق، فتقصر أفهامهم عن استيعاب الحقيقة المرة، ويتساءل أحدهم مرة بعد مرة: كيف يكون أهل الحق نزاعًا من القبائل؛ والسواد الأعظم على الباطل؟! أم كيف يكون جل العلماء في انحراف وضلال، والشيخ فلان وفلان وفلان ... هم -فقط- من يُشد إليهم الرحال؟!
قال الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في قواعد الجاهلية:"إن من أكبر قواعدهم الاغترار بالأكثر ويحتجون به على صحة الشيء، ويستدلون على بطلان الشيء بغربته وقلة أهله!".اهـ [مسائل الجاهلية (مسألة 5) ] .
ولقد كنت دعوت شابًا قبل بضع سنين إلى منهج الحق، فاقتنع بما سردته عليه من الأدلة الواضحات، والبراهين النيرات، ثم وبعد أيام، جاءني وبجعبته أضغاث أحلام! يزعم أنه رآني في المنام؛ وأنا أسير بدابتي -سيارتي- ومعي بعض الأفراد أردفهم، والناس يسيرون بدوابهم في طريق مخالف، فصاح علي أن تعال معنا، فأشرت إليه: أن لا .. اهـ
(1) وقيل: إن جسد فرعون المهتري المنحط، لا يزال في مصر محنط، ويدل عليه قول الله تعالى: (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آَيَاتِنَا لَغَافِلُونَ(92 ) ) [يونس: 92] .