بعد أن بين الله تعالى نصرته للموحدين على رغم قلتهم، وخذلانه للمشركين على رغم كثرتهم، حيث قال: (وأنجينا موسى ومن معه أجمعين * ثم أغرقنا الآخرين) ، بين سبحانه أن أكثر الناس لا يؤمنون، ولا يتعظون، بل يقفون جنبًا إلى جنبٍ مع أعداء الله، ويناصرونهم على أولياء الله.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله في نونيته:
لا تخش كثرتهم فهم همج الورى ... وذبابه أتخاف من ذبانِ ...
وإذا تكاثرت الخصوم وصيّحوا ... فاثبت فصيحتهم كمثل دخانِ
82 - (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ(103 ) ) .
بعد أن ذكر الله تعالى الجنة وأهلها، والنار وأهلها، وأن من أهلها من كان سبب دخوله لها هو اتخاذه مشرعين من دون الواحد المتين، يضعون للناس الدساتير والقوانين؛ فقال: (قالوا وهم فيها يختصمون * تالله إن كنا لفي ضلال مبين * إذ نسويكم برب العالمين) سواء كانت التسوية في العبادة والنسك، أو الحكم والتشريع ..
بعد أن بين الله تعالى كل ذلك، ذكر أن أكثر الناس لا يؤمنون بذي الجلال، فمنهم من يعبد الأصنام بالدعاء والابتهال، ومنهم من يحكم غير الشريعة في الدماء والفروج والأموال.
قال الشيخ الإمام محمد بن إبراهيم آل شيخ رحمه الله:"فكما لا يسجدُ الخلق إلا لله، ولا يعبدون إلا إياه ولا يعبدون المخلوق، فكذلك يجب أن لا يرضخوا ولا يخضعوا أو ينقادوا إلا لحكم الحكيم العليم".اهـ [تحكيم القوانين ص22] .
وقال الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله:"فالإشراك بالله في حكمه، كالإشراك به في عبادته".اهـ [1]
وقال الشيخ سيد قطب رحمه الله:"إن الذين يحكمون على عابد الوثن بالشرك، ولا يحكمون على المتحاكم إلى الطاغوت بالشرك، ويتحرجون في هذه ولا يتحرجون من تلك؛"
(1) انظر: أضواء البيان، تفسير الآية 21 من سورة الشورى.