وما أكثر الجهل والجهلة في زماننا! ممن في الأصول والفروع يخالفنا .. وما أجمل قول أبي العلاء المعري حين قال:
لما رأيت الجهل في الناس فاشيًا ... تجاهلتُ حتى ظُنّ أني جاهلُ!
وقد روي: (ارحموا ثلاثة: عزيز قوم ذل، وغني قوم افتقر، وعالمًا بين جُهّال) [رواه ابن حبان في صحيحه] .
ومع أن هذا الأمر محنة، إلا أن في طياته منحة، وذلك كما قال الإمام مسلم بن الحجاج القشيري رحمه الله:"اعلم وفقنا الله وإياك أنه لولا كثرة جهلة العوام مستنكري الحق ورأيه بالجهالة؛ لما بانَ فضلُ عالم على جاهل! ولا تبين علمٌ من جهل".اهـ [انظر: التقرير المفهم على التمييز لمسلم ص7] .
قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله:"تأملتُ الأرض ومن عليها بعين فكري فرأيت خرابَها أكثرَ من عُمرانها، ثم رأيت المعمور منها فوجدتُ الكفار مستولين على أكثره، ووجدتُ أهل الإسلام في الأرض قليلًا بالإضافة إلى الكفار، ثم تأملتُ المسلمين، فرأيت الأكسابَ قد شغلتْ جمهورهم عن الرَّزَّاق، وأعرضت بهم عن العلم الدالِّ عليه".اهـ [صيد الخاطر ص40] .
وقد بين الله تعالى أن كل سبيل غير سبيل الأنبياء والمرسلين هو سبيل الجهل والجهالة، وإن ادعى أصحابه العلم والعدالة، فقال الله تعالى: (فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ) [يونس: 89] .
قال الحافظ شمس الدين الذهبي رحمه الله:"وأما اليوم فما بقي من العلوم القليلة إلا القليل، في أناس قليل، ما أقل من يعمل منهم بذلك القليل! فحسبنا الله ونعم الوكيل".اهـ [التذكرة] .
وقال أيضًا:"وقد قل من يعتني بالآثار وحملتها في هذا الوقت، في مشارق الأرض ومغاربها .. أما المشرق وأقاليمه فغلق الباب، وانقطع الخطاب، والله المستعان، وأما المغرب وما بقي من جزيرة الأندلس، فيندر من يعتني بالرواية كما ينبغي، فضلًا عن الدراية".اهـ [التذكرة، والسير] .