فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 131

عن وجهه ويقول: (ويحك ابن سمية. الناس ينقلون حجرًا حجرًا ولبنة لبنة، وأنت تنقل حجرين حجرين ولبنتين لبنتين رغبة منك في الأجر، وأنت ويحك مع ذلك تقتلك الفئة الباغية) [1] .

ولم يكد عمرو يسمع هذا من ولده حتى دفع صدر فرسه، ثم جذب معاوية إليه فقال: يا معاوية، أما تسمع ما يقول عبد الله؟ قال: وما يقول؟ فأخبره الخبر.

فقال معاوية: إنك شيخ أخرق، ولا تزال تحدث بالحديث وأنت تدحض في بولك! أونحن قتلنا عمارًا؟! إنما قتل عمارًا من جاء به!

فخرج الناس من فساطيطهم وأخبيتهم يقولون: إنما قتل عمارًا من جاء به".اهـ [انظر: تاريخ الطبري 5/ 41] ."

فمعاوية رضي الله عنه جعل من تسبب في قتل عمار هو القاتل له، لا المباشر في قتله، وهذا خطأ منه رضي الله عنه في تحليل الوقائع، سار عليه الكثير اليوم في الحكم على الواقع!

قال الشيخ العلامة سليمان بن سحمان رحمه الله:"لما عاد الإسلام غريبًا كما بدأ، صار الجاهلون به، يعتقدون ما هو سبب الرحمة سبب العذاب، وما هو سبب الإِلفة والجماعة سبب الفرقة والاختلاف، وما يحقن الدماء سببًا لسفكها، كالذين قال الله فيهم: (وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ) [الأعراف: 131] ."

وكذلك الذين قالوا لأتباع الرسل: (إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ) [يس 18 - 19] .

فمن اعتقد: أن تحكيم شريعة الإسلام يفضي إلى القتال والمخالفة، وأنه لا يحصل الاجتماع والإِلفة، إلا على حاكم الطاغوت، فهو كافر عدو لله ولجميع الرسل، فإن هذا

(1) قال الإمام البخاري رحمه الله:"حدثنا مسدد قال: حدثنا عبد العزيز بن مختار قال: حدثنا خالد الحذاء عن عكرمة قال لي ابن عباس ولابنه علي: انطلقا إلى أبي سعيد فاسمعا من حديثه فانطلقنا فإذا هو في حائط يصلحه فأخذ رداءه فاحتبى ثم أنشأ يحدثنا حتى أتى ذكر بناء المسجد فقال: كنا نحمل لبنة لبنة وعمار لبنتين لبنتين فرآه النبي صلى الله عليه وسلم فينفض التراب عنه ويقول: (ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار) . قال يقول عمار: أعوذ بالله من الفتن".اهـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت