أعداء الرسل، [1] فإنهم نسبوهم إلى الجنون لما كانوا في شق وجانب، والناس في شق وجانب آخر، [2] ولكن من وطّن نفسه على ذلك فإنه يحتاج إلى علم راسخ بما جاء به الرسول يكون يقينًا له لا ريب عنده فيه، وإلى صبر تام على معادة من عاداه ولومة من لامه، ولا يتم له ذلك إلا برغبة قوية في الله والدار الآخرة، بحيث تكون الآخرة أحب إليه من الدنيا وآثر عنده منها، ويكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما [3] ..".اهـ [الفوائد 142 - 143] ."
وقال شيخنا عاصم الحافي حفظه الله:"الأصل في الداعية والمجاهد أن يسلك طريق الطائفة المنصورة ويستقيم على سبيل الهدى ولا يحزن لقلة السالكين، ويتجنب سبل الضلالة ويعرض عن أهل التخذيل ولا يتضرر بكثرة الهالكين .. فهذه سنة الله في هذا الدين فلم يزل أنصاره هم القلة الغرباء دومًا، وفي الصحيح: يأتي النبي يوم القيامة ومعه الرهيط والنبي ومعه الرجل والرجلان والنبي ليس معه أحد، ومن استذكر من سبقه من الشهداء والصادقين من المجاهدين والعلماء والدعاة العاملين وغيرهم من أنصار هذا الدين، واستحضر قوافلهم الضاربة في أعماق التاريخ لم يشعر بالغربة ولم يتضرر لقلة الأنصار وكثرة المخالفين والمخذلين .."
ولا تنتظر بالسير رفقة قاعدٍ ... ودعه فإن الشوق يكفيك حاملا ...
وإما تخافنّ الكلال فقل لها: ... أمامك وِردُ الوصل فابغِ المناهلا ...
وخذ قبسًا من نورهم ثم سر به ... فنورهم يهديك ليس المشاعلا ...
وقل ساعدي يا نفس بالصبر ساعة ... فعند اللقا ذا الكد يصبح زائلا ...
فما هي إلا ساعة ثم تنقضي ... ويصبح ذو الأحزان فرحان جاذلا""
[وقفات مع ثمرات الجهاد ص154 - 155] .
(1) قال الله تعالى: (كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ) [الذاريات: 52 - 53] .
(2) ولقد حصل ذلك للعبد الفقير إلى الله الغني به؛ حيث سُئل أحد رؤوس أهل البدع -عندنا- فقيل له: هل تركي البنعلي مبتدع ويجب التحذير منه؟ فقال فض الله فاه:"تركي ليس مبتدعًا ولكنه مجنون!".
(3) عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار) [متفق عليه] .