فهرس الكتاب

الصفحة 1334 من 2058

قَوْله تَعَالَى فَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ الْآيَةَ وَقَوْلُهُ فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عن شَيْءٍ منه نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا الْآيَةَ وَخَبَرُ الْبُخَارِيِّ عن ابْنِ عَبَّاسٍ رضي اللَّهُ عنه أَتَتْ امْرَأَةُ ثَابِتِ بن قَيْسٍ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فقالت يا رَسُولَ اللَّهِ ثَابِتُ بن قَيْسٍ ما أَعْتِبُ وفي رِوَايَةٍ ما أَنْقِمُ عليه في خُلُقٍ وَلَا دِينٍ وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ في الْإِسْلَامِ أَيْ كُفْرَانَ النِّعْمَةِ فقال أَتَرُدِّينَ عليه حَدِيقَتَهُ قالت نعم قال اقْبَلْ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً وفي رِوَايَةٍ فَرَدَّتْهَا وَأَمَرَهُ بِفِرَاقِهَا وهو أَوَّلُ خُلْعٍ وَقَعَ في الْإِسْلَامِ وَالْمَعْنَى فيه أَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يَمْلِكَ الزَّوْجُ الِانْتِفَاعَ بِالْبُضْعِ بِعِوَضٍ جَازَ أَنْ يُزِيلَ ذلك الْمِلْكَ بِعِوَضٍ كَالشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ فَالنِّكَاحُ كَالشِّرَاءِ وَالْخُلْعُ كَالْبَيْعِ وَأَيْضًا فيه دَفْعُ الضَّرَرِ عن الْمَرْأَةِ غَالِبًا هو في الشَّرْعِ فُرْقَةٌ بِعِوَضٍ مَقْصُودٍ رَاجِعٍ إلَى الزَّوْجِ أو سَيِّدِهِ عَدَلَ عن قَوْلِ أَصْلِهِ يَأْخُذُهُ الزَّوْجُ إلَى ما قَالَهُ لِيَشْمَلَ ما لو خَالَعَهَا على ما ثَبَتَ لها عليه من قِصَاصٍ أو غَيْرِهِ وَزِدْت مَقْصُودٍ لِيَخْرُجَ الْخُلْعُ بِدَمٍ أو نَحْوِهِ فإنه رَجْعِيٌّ وَلَا مَالَ وهو جَائِزٌ على الصَّدَاقِ وَغَيْرِهِ وَلَوْ كان أَكْثَرَ منه لَكِنْ تُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عليه قَالَهُ في الْإِحْيَاءِ وَيَصِحُّ في حَالَتَيْ الشِّقَاقِ وَالْوِفَاقِ وَذِكْرُ الْخَوْفِ في الْآيَةِ جَرَى على الْغَالِبِ

وَلَا يُكْرَهُ عِنْدَ الشِّقَاقِ أو عِنْدَ كَرَاهِيَتِهَا له لِسُوءِ خُلُقِهِ أو دِينِهِ أو غَيْرِهِ أو عِنْدَ خَوْفِ تَقْصِيرٍ منها في حَقِّهِ أو عِنْدَ حَلِفِهِ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ من مَدْخُولٍ بها على فِعْلِ ما لَا بُدَّ له من فِعْلِهِ وَذَلِكَ لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ وَلِلْخَبَرِ السَّابِقِ في خَوْفِ التَّقْصِيرِ قال في الْأَصْلِ وَأَلْحَقَ الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ بِذَلِكَ ما لو مَنَعَهَا نَفَقَةً أو غَيْرَهَا فَافْتَدَتْ لِتَتَخَلَّصَ منه انْتَهَى فَإِنْ مَنَعَهَا ذلك لِتُخَالِعَهُ فَالْخُلْعُ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ إكْرَاهٌ لها وَيَقَعُ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا نَقَلَهُ في الشَّامِلِ وَالْبَحْرِ وَغَيْرِهِمَا عن الشَّيْخِ أبي حَامِدٍ أَيْضًا وما قِيلَ إنَّ الْأَوَّلَ أَيْضًا بَاطِلٌ لِأَنَّهُ بِمَنْعِ الْحَقِّ صَارَ مُكْرِهًا لها بَعِيدٌ فَإِنْ كَرِهَهَا لَا لِزِنَاهَا فَأَسَاءَ عِشْرَتَهَا بِمَنْعِ حَقِّهَا حتى اخْتَلَعَتْ كُرِهَ الْخُلْعُ وَإِنْ كان نَافِذًا وَأَثِمَ بِفِعْلِهِ وَيُكْرَهُ أَيْضًا في غَيْرِ الصُّوَرِ السَّابِقَةِ وَإِنْ كَرِهَهَا لِزِنَاهَا أَيْ أو نَحْوِهِ من الْمُحَرَّمَاتِ فَأَسَاءَ عِشْرَتَهَا حتى اخْتَلَعَتْ لم يُكْرَهْ وَإِنْ أَثِمَ بِفِعْلِهِ وَعَلَيْهِ حُمِلَ قَوْله تَعَالَى وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ

وَإِنْ أَكْرَهَهَا بِالضَّرْبِ وَنَحْوِهِ على الْخُلْعِ أَيْ اخْتِلَاعِهَا فَاخْتَلَعَتْ لم يَصِحَّ لِلْإِكْرَاهِ وَوَقَعَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا إنْ لم يُسَمِّ الْمَالَ وَلَا يُشْكِلُ بِأَنَّ مُطْلَقَ الْخُلْعِ يَقْتَضِي الْمَالَ فَيَقَعُ بَائِنًا لِأَنَّهُ إنَّمَا يَقْتَضِيهِ إذَا وَجَدَ طَرَفَا الْعَقْدِ وَالْمَرْأَةُ هُنَا لم تَقْبَلْ قَبُولًا مُعْتَبَرًا وَإِنْ سَمَّاهُ أو قال طَلَّقْتُك بِكَذَا وَضَرَبَهَا لِتَقْبَلَ فَقَبَلَتْ لم يَقَعْ طَلَاقٌ لِأَنَّهَا لم تَقْبَلْ مُخْتَارَةً وَلَوْ ادَّعَتْ أَنَّهُ أَكْرَهَهَا على الْخُلْعِ وَأَقَامَتْ بِهِ بَيِّنَةً وَادَّعَى الْخُلْعَ أَيْ اعْتَرَفَ بِهِ دُونَ الْإِكْرَاهِ رَدَّ الْمَالَ إلَيْهَا وَبَانَتْ منه بِقَوْلِهِ فَإِنْ لم يَعْتَرِفْ بِهِ بَلْ أَنْكَرَ الْمَالَ أو سَكَتَ وَقَعَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا وفي هذا الْكِتَابِ خَمْسَةُ أَبْوَابٍ الْأَوَّلُ في حَقِيقَتِهِ أَيْ الْخُلْعِ أَيْ مَدْلُولِهِ وهو بِلَفْظِ الطَّلَاقِ صَرِيحًا كان أو كِنَايَةً طَلَاقٌ وَكَذَا بِلَفْظِ الْخُلْعِ وَنَحْوِهِ كَالْفِدَاءِ لِوُرُودِ لَفْظِ الْقُرْآنِ بِهِ في الْفِدَاءِ قال تَعَالَى فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ وَقِيسَ بِالْفِدَاءِ الْخُلْعُ فَيَنْقُصُ بِهِمَا عَدَدُ الطَّلَاقِ كَلَفْظِ الطَّلَاقِ لَا فَسْخَ لِأَنَّهُ لو كان فَسْخًا لَمَا جَازَ على غَيْرِ الصَّدَاقِ لِأَنَّ الْفَسْخَ يُوجِبُ اسْتِرْجَاعَ الْبَدَلِ وإذا كان طَلَاقًا

فَيَصِحُّ بِخَالَعْتُ نِصْفَك أو يَدَك أو نَحْوَهُمَا بِكَذَا أو خَالَعْتكِ شَهْرًا بِكَذَا في لَفْظِ الطَّلَاقِ وَلَفْظِ الْخُلْعِ وَكَذَا الْمُفَادَاةُ صَرِيحٌ في الطَّلَاقِ لِشُيُوعِهِمَا في الْعُرْفِ وَالِاسْتِعْمَالِ لِلطَّلَاقِ فَالْتَحَقَا بِالْمُتَكَرِّرِ في الْقُرْآنِ مع أَنَّ لَفْظَ الْمُفَادَاةِ وَرَدَتْ فيه كما مَرَّ وَقِيلَ ليس ذلك بِصَرِيحٍ وَالتَّرْجِيحُ من زِيَادَتِهِ وَجَرَى عليه الْمِنْهَاجُ كَأَصْلِهِ فَالرَّاجِحُ أَنَّهُ صَرِيحٌ إنْ ذُكِرَ الْمَالُ لِأَنَّ ذِكْرَهُ يُشْعِرُ بِالْبَيْنُونَةِ وَكَذَا إذَا لم يَذْكُرْهُ كَأَنْ قال خَالَعْتكِ أو فَادِيَتُك أو افْتَدَيْتُك فَقَبِلَتْ لِأَنَّ قَبُولَهَا يُشْعِرُ بِذَلِكَ وَهَذَا مُقْتَضَى كَلَامِ الْمِنْهَاجِ كَأَصْلِهِ وَغَيْرِهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت