فَصْلٌ إذَا حَكَمَ الْقَاضِي بِشُهُودٍ فَبَانُوا مَرْدُودِينَ في شَهَادَتِهِمْ لِكُفْرٍ أو رِقٍّ أو فِسْقٍ أو غَيْرِهَا فَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ أَيْ حُكْمَهُ يُنْقَضُ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَتَبَيَّنُ بُطْلَانُهُ فَتَعُودُ الْمُطَلَّقَةُ بِشَهَادَتِهِمْ زَوْجَةً وَالْمُعْتَقَةُ بها أَمَةً فَإِنْ اُسْتُوْفِيَ بها قَطْعٌ أو قَتْلٌ أو حَدٌّ أو تَعْزِيرٌ فَعَلَى عَاقِلَةِ الْقَاضِي الضَّمَانُ وَلَوْ في حَدِّ اللَّهِ تَعَالَى لِتَفْرِيطٍ بِتَرْكِ الْبَحْثِ التَّامِّ عن حَالِ الشُّهُودِ سَوَاءٌ اسْتَوْفَاهُ الْمُدَّعِي وَلَوْ بِنَائِبِهِ أَمْ الْقَاضِي فَلَا ضَمَانَ على الْمُدَّعِي لِأَنَّهُ يقول اسْتَوْفَيْت حَقِّي فَإِنْ كان الْمَحْكُومُ بِهِ مَالًا وَلَوْ تَالِفًا ضَمِنَهُ الْمَحْكُومُ له وَإِنْ تَلِفَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ وَفَرَّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِتْلَافِ بِالْقِصَاصِ حَيْثُ لَا غُرْمَ عليه فيه بِأَنَّ الْإِتْلَافَ إنَّمَا يُضْمَنُ إذَا وَقَعَ على وَجْهِ التَّعَدِّي وَحُكْمُ الْقَاضِي أَخْرَجَهُ عن التَّعَدِّي وَأَمَّا الْمَالُ فإذا حَصَلَ بِيَدِ إنْسَانٍ بِغَيْرِ حَقٍّ كان مَضْمُونًا وَإِنْ لم يُوجَدْ منه تَعَدٍّ فَلَوْ كان الْمَحْكُومُ له مُعْسِرًا قال في الْأَصْلِ أو غَائِبًا غَرِمَ الْقَاضِي لِلْمَحْكُومِ عليه لَا عَاقِلَتُهُ لِأَنَّ ذلك ليس بَدَلَ نَفْسٍ حتى يَتَعَلَّقَ بها وَرَجَعَ بِهِ على الْمَحْكُومِ له إذَا أَيْسَرَ أو حَضَرَ وَلَا غُرْمَ على الشُّهُودِ لِأَنَّهُمْ ثَابِتُونَ على شَهَادَتِهِمْ زَاعِمُونَ صِدْقَهُمْ بِخِلَافِ الرَّاجِعِينَ وَلَا على الْمُزَكِّينَ لِأَنَّ الْحُكْمَ غَيْرُ مَبْنِيٍّ على شَهَادَتِهِمْ مع أَنَّهُمْ تَبَعٌ لِلشُّهُودِ كِتَابُ الدَّعَاوَى بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِهَا وَالْبَيِّنَاتِ الدَّعْوَى لُغَةً الطَّلَبُ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ وَأَلِفُهَا لِلتَّأْنِيثِ وَشَرْعًا إخْبَارٌ عن وُجُوبِ حَقٍّ لِلْمُخْبِرِ على غَيْرِهِ عِنْدَ حَاكِمٍ وَالْبَيِّنَةُ الشُّهُودِ سُمُّوا بها لِأَنَّ بِهِمْ يَتَبَيَّنُ الْحَقُّ وَالْأَصْلُ في ذلك أَخْبَارٌ كَخَبَرِ مُسْلِمٍ لو يُعْطَى الناس بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ وَلَكِنَّ الْيَمِينَ على الْمُدَّعَى عليه وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَلَكِنَّ الْبَيِّنَةَ على الْمُدَّعِي وَالْيَمِينَ على من أَنْكَرَ وَالْمَعْنَى فيه أَنَّ جَانِبَ الْمُدَّعِي ضُعِّفَ لِدَعْوَاهُ خِلَافَ الْأَصْلِ فَكُلِّفَ الْحُجَّةَ الْقَوِيَّةَ وَجَانِبَ الْمُنْكِرِ قَوِيَ فَاكْتُفِيَ منه بِالْحُجَّةِ الضَّعِيفَةِ وَفِيهِ أَبْوَابٌ سَبْعَةٌ الْأَوَّلُ في الدَّعْوَى وَفِيهِ مَسَائِلُ سَبْعَةٌ الْأُولَى في مُوجِبِ الرَّفْعِ إلَى الْقَاضِي فَإِنْ كان الْحَقُّ عُقُوبَةً كَقِصَاصٍ وحد قَذْفٍ اُشْتُرِطَ الرَّفْعُ فيها إلَى الْقَاضِي فَلَا يَسْتَقِلُّ صَاحِبُهَا بِاسْتِيفَائِهَا لِعِظَمِ خَطَرِهَا كما في النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالرَّجْعَةِ وَغَيْرِهَا من سَائِرِ الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ نَعْمَ قال الْمَاوَرْدِيُّ من وَجَبَ له تَعْزِيرٌ أو حَدُّ قَذْفٍ وكان في بَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ عن السُّلْطَانِ له اسْتِيفَاؤُهُ وقال ابن عبد السَّلَامِ في أَوَاخِرِ قَوَاعِدِهِ لو انْفَرَدَ بِحَيْثُ لَا يُرَى يَنْبَغِي أَنْ لَا يُمْنَعَ من الْقَوَدِ لَا سِيَّمَا إذَا عَجَزَ عن إثْبَاتِهِ وَقَدَّمْتُ هذا أَيْضًا في بَابِ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ
وَكَذَا من له عَيْنٌ عِنْدَ غَيْرِهِ وَخَشِيَ بِأَخْذِهَا اسْتِقْلَالًا فِتْنَةً يُشْتَرَطُ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَجِبُ فيه الرَّفْعُ إلَى الْقَاضِي لِتَمَكُّنِهِ من الْخَلَاصِ بِهِ بِغَيْرِ إثَارَةِ فِتْنَةٍ بِخِلَافِ ما إذَا لم يَخْشَهَا فَلَهُ الِاسْتِقْلَالُ بِأَخْذِهَا أو كان له دَيْنٌ على مُقِرٍّ غَيْرِ مُمْتَنِعٍ من أَدَائِهِ طَالَبَهُ بِهِ لِيُؤَدِّيَهُ وَلَيْسَ