فهرس الكتاب

الصفحة 1758 من 2058

كِتَابُ عَقْدِ الْجِزْيَةِ لِلْكُفَّارِ تُطْلَقُ الْجِزْيَةُ على الْعَقْدِ وَعَلَى الْمَالِ الْمُلْتَزَمِ بِهِ وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ من الْمُجَازَاةِ لِكَفِّنَا عَنْهُمْ وَقِيلَ من الْجَزَاءِ بِمَعْنَى الْقَضَاءِ قال تَعَالَى وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عن نَفْسٍ شيئا أَيْ لَا تَقْضِي وَيُقَالُ جَزَيْت دَيْنِي أَيْ قَضَيْته وَجَمْعُهَا جِزَىً كَقَرْيَةٍ وَقُرًى وَالْعُقُودُ التي تُفِيدُ الْكَافِرَ الْأَمْنَ ثَلَاثَةٌ أَمَانٌ وَهُدْنَةٌ وَجِزْيَةٌ لِأَنَّ التَّأْمِينَ إنْ تَعَلَّقَ بِمَحْصُورٍ فَهُوَ الْأَمَانُ وقد تَقَدَّمَ أو بِغَيْرِ مَحْصُورٍ كَأَهْلِ إقْلِيمٍ أو بَلَدٍ فَإِنْ كان إلَى غَايَةٍ فَهُوَ الْهُدْنَةُ وَسَتَأْتِي أَوَّلًا إلَى غَايَةٍ فَهُوَ الْجِزْيَةُ وَهُمَا مُخْتَصَّانِ بِالْإِمَامِ بِخِلَافِ الْأَمَانِ كما مَرَّ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ تَأْمِينَ الْإِمَامِ غَيْرُ مَحْصُورَيْنِ لَا يُسَمَّى أَمَانًا وَإِنَّ الْجِزْيَةَ لَا تَصِحُّ في مَحْصُورِينَ وَلَيْسَ مُرَادًا وَالْأَصْلُ في الْجِزْيَةِ قبل الْإِجْمَاعِ قَوْله تَعَالَى قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ إلَى قَوْلِهِ حتى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ وقد أَخَذَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم الْجِزْيَةَ من مَجُوسِ هَجَرَ كما رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ كما رَوَاهُ أبو دَاوُد وَمِنْ أَهْلِ أَيْلَةَ كما رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وقال إنَّهُ مُنْقَطِعٌ وَالْمَعْنَى في ذلك أَنَّ في أَخْذِهَا مَعُونَةً لنا وَإِهَانَةً لهم وَرُبَّمَا يَحْمِلُهُمْ ذلك على الْإِسْلَامِ وَفِيهِ طَرَفَانِ الْأَوَّلُ في أَرْكَانِهَا وَهِيَ خَمْسَةٌ عَاقِدٌ وَصِيغَةٌ وَمَعْقُودٌ له وَمَكَانٌ وَمَالٌ مَعْقُودٌ عليه الْأَوَّلُ الْعَاقِدُ وهو الْإِمَامُ أو نَائِبُهُ وَعَلَيْهِ الْإِجَابَةُ لهم إنْ طَلَبُوا عَقْدَهَا وَأَمِنَ مَكْرَهُمْ سَوَاءٌ أَرَأَى فيها مَصْلَحَةً أَمْ لَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى حتى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ وَلِلْأَمْرِ بِهِ في خَبَرِ مُسْلِمٍ بِخِلَافِ ما إذَا لم يَطْلُبُوا أو خَافَ مَكْرَهُمْ فَلَا يُجِيبُهُمْ فَإِنْ عَقَدَ هَا لهم غَيْرُهُ من الْآحَادِ لم يَصِحَّ لِأَنَّهَا من الْأُمُورِ الْكُلِّيَّةِ فَيَحْتَاجُ إلَى نَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بها من الصَّلَاحِ وَالْفَسَادِ ولكن يَبْلُغُونَ الْمَأْمَنَ وَلَا شَيْءَ عليه أَيْ على الْمَعْقُودِ له وَإِنْ أَقَامَ سَنَةً فَأَكْثَرَ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَغْوٌ وَلَوْ قال عليهم كان أَنْسَبَ وَيَكْتُبُ الْإِمَامُ أو نَائِبُهُ بَعْدَ الْعَقْدِ أَسْمَاءَهُمْ وَأَدْيَانَهُمْ وَحُلَاهُمْ هذا من زِيَادَتِهِ هُنَا وهو تَكْرَارٌ فَقَدْ ذَكَرَهُ كَأَصْلِهِ مع زِيَادَةٍ آخِرَ الْكِتَابِ الرُّكْنُ الثَّانِي الصِّيغَةُ كَسَائِرِ الْعُقُودِ وَهِيَ كَأَقْرَرْتُكُمْ أو أَذِنْت لَكُمْ في الْإِقَامَةِ بِدَارِنَا مَثَلًا على الِانْقِيَادِ لِلْحُكْمِ أَيْ حُكْمِنَا الذي يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيمَهُ كَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ دُونَ غَيْرِهِ كَشُرْبِ الْخَمْرِ وَنِكَاحِ الْمَجُوسِ الْمَحَارِمَ وَيَذْكُرُ لهم في الْعَقْدِ الْجِزْيَةَ أَيْ الْتِزَامَهَا وَذَلِكَ لِأَنَّ الِانْقِيَادَ وَالْجِزْيَةَ كَالْعِوَضِ عن التَّقْرِيرِ فَيَجِبُ ذِكْرُهُمَا كَالثَّمَنِ في الْبَيْعِ وَالْأُجْرَةِ في الْإِجَارَةِ وَفَسَّرَ إعْطَاءَ الْجِزْيَةِ في الْآيَةِ بِالْتِزَامِهَا وَالصَّغَارَ بِالْتِزَامِ أَحْكَامِنَا قالوا وَأَشَدُّ الصَّغَارِ على الْمَرْءِ أَنْ يَحْكُمَ عليه بِمَا لَا يَعْتَقِدُهُ وَيَضْطَرُّ إلَى احْتِمَالِهِ وَيُشْتَرَطُ تَقْدِيرُهَا كَالثَّمَنِ وَالْأُجْرَةِ لَا التَّعَرُّضُ لِلْكَفِّ أَيْ لِكَفِّهِمْ عن اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لِدُخُولِهِ في ذِكْرِ الِانْقِيَادِ وَلَا بُدَّ في صِحَّةِ الْعَقْدِ من لَفْظٍ دَالٍّ على الْقَبُولِ كما في الْإِيجَابِ كَرَضِيتُ وَقَبِلْت وَقَوْلُهُ وَنَحْوِهِ من زِيَادَتِهِ وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ وَيَكْتَفِي بِالْكِنَايَةِ مع النِّيَّةِ وَبِإِشَارَةِ الْأَخْرَسِ الْمُفْهِمَةِ وَظَاهِرٌ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ اتِّصَالُ الْقَبُولِ بِالْإِيجَابِ كَالْبَيْعِ لَكِنْ قال الْأَذْرَعِيُّ وَيَقْرُبُ عَدَمُ اعْتِبَارِهِ وَيَلْزَمُ الْعَقْدُ بِقَوْلِهِ أَيْ الْكَافِرِ قَرِّرْنِي بِكَذَا فَقَرَّرَهُ لِأَنَّ الِاسْتِيجَابَ كَالْقَبُولِ فَإِنْ عَقَدَهَا مُؤَقَّتًا بِوَقْتٍ مَعْلُومٍ أو مَجْهُولٍ كَأَنْ قال أَقْرَرْتُكُمْ ما شِئْنَا أو ما شَاءَ اللَّهُ أو زِيدَ أو ما أَقَرَّكُمْ اللَّهُ لم يَصِحَّ لِأَنَّ ذلك خِلَافُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ ولأنه بَدَلُ الْإِسْلَامِ وهو لَا يَصِحُّ مُؤَقَّتًا وَأَمَّا قَوْلُهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم أُقِرُّكُمْ ما أَقَرَّكُمْ اللَّهُ فَإِنَّمَا جَرَى في الْمُهَادَنَةِ حين وَادَعَ يَهُودَ خَيْبَرَ لَا في عَقْدِ الذِّمَّةِ وَلَوْ قال ذلك غَيْرُهُ من الْأَئِمَّةِ لم يَصِحَّ لِأَنَّهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم يَعْلَمُ ما عِنْدَ اللَّهِ بِالْوَحْيِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ التَّأْبِيدِ بَلْ يَجُوزُ الْإِطْلَاقُ وهو يَقْتَضِي التَّأْبِيدَ أو قال أَقْرَرْتُكُمْ ما شِئْتُمْ صَحَّ لِأَنَّ لهم نَبْذَ الْعَقْدِ مَتَى شَاءُوا فَلَيْسَ فيه إلَّا التَّصْرِيحُ بِمُقْتَضَى الْعَقْدِ بِخِلَافِ الْهُدْنَةِ لَا تَصِحُّ بهذا اللَّفْظِ لِأَنَّهُ يُخْرِجُ عَقْدَهَا عن مَوْضُوعِهِ من كَوْنِهِ مُؤَقَّتًا إلَى ما يَحْتَمِلُ تَأْبِيدَهُ الْمُنَافِيَ لِمُقْتَضَاهُ فَرْعٌ لو أَقَامَ من عَقَدَ له الْإِمَامُ أو نَائِبُهُ الْجِزْيَةَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت